في خضم التصعيد المتكرر الذي تشهده المنطقة، يتجدد سؤال يبدو بريئًا في ظاهره: أين مصر؟ غير أن تكرار هذا السؤال، في هذا التوقيت تحديدًا، يكشف عن خلل في فهم طبيعة الأدوار الإقليمية، أو تجاهل متعمد لتعقيدات المشهد.
مصر لم تكن يومًا دولة تُقاس أدوارها بردود الفعل اللحظية، ولا تُختزل في مشهد عسكري مباشر. بل على العكس، ظلت عبر تاريخها الحديث لاعبًا رئيسيًا في إدارة التوازنات، خصوصًا في اللحظات التي تكون فيها المنطقة على حافة الانفجار.
قبل اندلاع أي مواجهة عسكرية مؤخرًا، شهدت التحركات المصرية نشاطًا ملحوظًا على أعلى مستوى. زيارة رئاسية سريعة إلى الرياض، تلتها جولات واتصالات مكثفة مع عواصم الخليج، عكست إدراكًا مبكرًا لخطورة التصعيد، ومحاولة جادة لاحتوائه قبل أن يتحول إلى صراع مفتوح. هذه التحركات لم تكن استعراضية، بل جزءًا من إدارة أزمة تتطلب هدوءًا ودقة أكثر مما تتطلب ضجيجًا إعلاميًا.
في الوقت ذاته، لم يتوقف الدور المصري عند حدود التحرك الثنائي، بل امتد إلى دعم مسارات تفاوضية أوسع، بالتنسيق مع قوى إقليمية مثل تركيا وباكستان، في محاولة لإيجاد أرضية مشتركة تقلل من احتمالات الانزلاق إلى حرب شاملة. هذا النوع من الأدوار لا يظهر عادة في العناوين، لكنه الأكثر تأثيرًا في تحديد مسار الأحداث.
الطرح الذي يربط بين “الحضور” و”المشاركة العسكرية المباشرة” يعكس فهمًا قاصرًا لطبيعة الصراعات الحديثة. فليست كل قوة تُقاس بمدى انخراطها في الحرب، بل بقدرتها على منعها. ومصر، بحكم خبرتها وتكلفتها التاريخية مع الحروب، تدرك أن أي مواجهة برية واسعة في هذه المنطقة لن تكون محدودة، بل ستفتح أبوابًا يصعب إغلاقها.
من زاوية أخرى، لا يمكن تجاهل البعد الاقتصادي والاجتماعي في الموقف المصري. استمرار التوتر ينعكس بشكل مباشر على استقرار المنطقة، وعلى مصالح ملايين المصريين العاملين في دول الخليج، فضلًا عن التأثيرات الممتدة على الاقتصاد الإقليمي ككل. لذلك، فإن تبني مسار التهدئة ليس خيارًا سياسيًا فقط، بل ضرورة استراتيجية.
ورغم ذلك، فإن الخطاب الدفاعي المبالغ فيه أحيانًا يُضعف الحجة بدل أن يقويها. فالدور المصري لا يحتاج إلى تبرير انفعالي، بقدر ما يحتاج إلى عرض موضوعي يستند إلى الوقائع. كما أن تجاهل تساؤلات البعض أو تصنيفها جميعًا في إطار “المزايدة” قد يفقد المقال توازنه، لأن جزءًا من هذه التساؤلات نابع من غياب المعلومات، لا من سوء النية.
الأهم من ذلك، أن قوة مصر الحقيقية لا تكمن فقط في تاريخها، بل في قدرتها على التكيف مع متغيرات الحاضر. المنطقة تمر بمرحلة إعادة تشكيل، تتداخل فيها الأدوار الإقليمية والدولية، وهو ما يفرض على جميع الأطراف، بما فيها مصر، تطوير أدواتها، وتعزيز حضورها بآليات تتناسب مع طبيعة المرحلة.
في هذا السياق، يصبح الدور المصري أكثر تعقيدًا: الحفاظ على التوازن، منع التصعيد، حماية المصالح، دون الانجرار إلى مواجهات مفتوحة. وهي معادلة صعبة، لكنها في الوقت ذاته تعكس طبيعة الدولة التي تدرك أن القوة ليست دائمًا في الفعل المباشر، بل في القدرة على التحكم في مسار الأحداث.
في النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل نبحث عن أدوار تُرضي الانفعال اللحظي، أم عن سياسات تحمي استقرار المنطقة على المدى الطويل؟ الإجابة على هذا السؤال هي التي تحدد كيف نرى مصر… وكيف نفهم دورها.
اقرأ أيضاًباكستان تستضيف اجتماعًا رباعيًا مع وزراء خارجية مصر وتركيا والسعودية
عمرو أديب: العلاقات المصرية الخليجية متجذرة عبر التاريخ.. وأمن الخليج هو أمن مصر
هل تصل أمريكا للنفط الإيراني؟.. مصطفى بكري يكشف أهداف سياسة «الضغط الأقصى» لـ ترامب






