مقالات

بين الفتنة والوحدة.. قراءة في مسار الأمة من التمزّق إلى الأمل – الأسبوع

لم تكن الأمة الإسلامية يومًا جسدًا بلا جراح، ولا تاريخًا بلا ابتلاءات، فمنذ اللحظات الأولى التي غاب فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الدنيا، بدأت الأسئلة الكبرى تتزاحم، وظهرت بوادر اختلافٍ كان في جوهره بشريًا، تحكمه طبائع الناس، وتؤثر فيه نوازع السياسة، وتتشابك فيه المصالح والاجتهادات.

ومع مرور الزمن، لم يعد الخلاف مجرد تباين في الرأي، بل تحوّل في بعض مراحله إلى فتنة عمياء، تتقاذفها الروايات، وتغذيها الأهواء، حتى غدا التاريخ ساحةً تختلط فيها الحقيقة بالظن، والوقائع بالتأويل.

لقد دخلت على تراث الأمة روايات متعددة، بعضها حملته صدور صادقة، وبعضها تسلل عبر العصور دون تمحيص كافٍ، فذُكرت أسماء وشخصيات، واختلف الناس في تقييمها، بين من قبلها على ظاهرها، ومن دعا إلى التثبت والنقد، لأن ميزان العدل لا يقوم إلا على التحقق، ولا يُبنى الوعي إلا على بصيرة.

وفي خضم هذا التراكم، نشأت سرديات تُرجع أسباب الانقسام إلى فاعل خفي أو جهة بعينها، محاولةً تفسير التعقيد الهائل الذي عاشته الأمة بتفسير واحد بسيط، غير أن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير، فالتاريخ لا تُحرّكه يد واحدة، ولا تصنعه إرادة منفردة، بل هو حصيلة تفاعل معقّد بين الإنسان والزمان والمكان.

لقد كان للصراع على السلطة أثره، وللاختلاف في الفهم والاجتهاد أثره، ولتباين البيئات والثقافات أثره، حتى تشكّلت مدارس ومذاهب، وظهرت فرق واتجاهات، وكل ذلك جرى في سياق أمةٍ واسعة، امتدت من أقصى الأرض إلى أقصاها، تحمل في داخلها تنوعًا هائلًا، لا يمكن أن يُختزل في رواية واحدة.

وفي العصور الحديثة، حين تكالبت القوى على العالم الإسلامي، واشتدت وطأة الاستعمار، وتفككت الروابط السياسية، تعمّقت الفجوة، وازدادت الانقسامات، وتحوّلت الحدود إلى جدران، والاختلاف إلى صراع، ولا شك أن الصراعات الدولية أسهمت في إذكاء هذه الحالة، لكنها لم تكن لتنجح لولا وجود قابلية داخلية للانقسام، وضعف في بنية الوحدة.

وهنا يقف السؤال الكبير: كيف السبيل إلى الخروج من هذا التيه؟

إن أول الطريق يبدأ بالصدق مع الذات، أن ندرك أن مشكلتنا ليست كلها في «الآخر»، بل فينا نحن أيضًا.

أن نعيد قراءة تاريخنا بعينٍ ناقدة لا بعينٍ متعصبة، وأن نفرّق بين المقدّس والبشري، وبين الثابت والمتغير.

ثم يأتي دور الوعي، وذاك هو السلاح الأهم، وعيٌ يُدرك أن الاختلاف سنة، وأن التنوع ثراء، وأن الوحدة لا تعني الذوبان، بل تعني الاجتماع على الأصول، مع فسحةٍ في الفروع، ولا قيام لوحدةٍ بلا عدل، ولا نهضة بلا أخلاق، ولا نصر بلا إعداد.

فالأمم لا تُبنى بالشعارات، بل تُبنى بالعلم، وتُحفظ بالعدل، وتُصان بالأخوة الصادقة.

إن الطريق طويل، لكنه ليس مستحيلًا، ففي كل مرحلة من تاريخ الأمة، كانت هناك لحظات ضعف، لكن كانت هناك أيضًا لحظات نهوض، وما بين السقوط والقيام، يبقى الأمل معقودًا على وعيٍ جديد، يُدرك أن أعظم معركة ليست مع الخارج، بل مع الجهل والتفرّق داخل النفوس.

وحين تعود القلوب إلى صفائها، والعقول إلى رشدها، وتلتقي الإرادة على كلمة سواء، آنذاك فقط يمكن للأمة أن تستعيد توازنها، وأن تمضي من جديد، لا كأشلاء متفرقة، بل كجسدٍ واحد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى.

اقرأ أيضاً«سماه القرآن ووصفه النبي».. رد ناري من وزير الأوقاف السابق على منكري وجود الأقصى

عبد الحميد الثاني وأسطورة «السلطان المظلوم»

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts