في لحظةٍ إقليميةٍ مثقلةٍ بالضجيج، تتقدم فيها الروايات المتعارضة على حساب الحقائق، يطفو على السطح توترٌ غير مألوف بين شعوبٍ لم تكن يوماً طارئةً على بعضها، بل نُسجت علاقاتها عبر عقودٍ من التداخل الإنساني، والتكامل الاقتصادي، والامتداد الحضاري.
ما يُقرأ اليوم كاحتقانٍ بين دول الخليج ومصر لا يمكن اختزاله في خلافٍ عابر، بل هو جرس إنذارٍ لاختراقٍ منظم للوعي الجمعي، يتجاوز الجيوسياسة التقليدية إلى انتهاك صارخ لما يمكن تسميته الجيو أخلاقية الإسلامية، حيث لا يُستهدف القرار السياسي فحسب، بل المنظومة القيمية التي تضبطه.
تُدار هذه العملية بأدواتٍ حديثة، ظاهرها الفوضى وباطنها التنظيم: شبكات رقمية موجهة، ومنظومات تأثير رقمي منظمة تعمل وفق عقائد سياسية وتمويلٍ منظم، وسرديات تُبنى بعناية لتكريس صورةٍ مشوهة عن الآخر. تُستدعى الأخطاء وتُضخم، وتُطمس مساحات التوازن، حتى يُدفع الناس دفعاً نحو ثنائياتٍ حادة لا تعترف بالعقل ولا تحتمل الإنصاف. وفي الخلفية، تتحرك أيادٍ متعددة الأطراف دولٌ كبرى ومنظماتٌ ذات عقائد سياسية لا ترى في استقرار المنطقة مصلحة، بل فرصة لإعادة تشكيلها وفق خرائط تُرسم في العقول قبل الجغرافيا.
غير أن الحقيقة الأكثر إيلاماً أن هذا المشهد لا يكتمل إلا بقابليةٍ داخليةٍ غير مقصودة. حين ننزلق خلف خطابٍ لا يُشبهنا، ونستبدل لغة الاحترام بمنطق التجريح، نكون قد بدأنا بأيدينا في تقويض ما عجزت الأزمات عن النيل منه. نتخلى عن ذاكرةٍ صلبةٍ حفظت وقوفنا معاً حين ضاقت الخيارات، لنستبدلها بذاكرةٍ انتقائية لا ترى إلا ما يُغذي الغضب، وكأن العطاء بيننا كان صفقة، لا رابطة مصير.
والأخطر من ذلك، أننا بدأنا دون أن نشعر نتنازل عن ثوابتٍ شكلت وعينا الجمعي، أصولنا العربية التي قامت على التلاحم لا التناحر، ولغتنا التي ظلت الوعاء الحافظ لهويتنا، ومرجعيتنا التي نصت عليها دساتيرنا حين جعلت الإسلام مصدراً للقيم والضبط والعدل. وحين تُهمل هذه المرتكزات، نصبح أكثر قابليةً للانقياد، وأقرب للانقسام تحت تأثير سردياتٍ تُدار من خارجنا، فتقودنا أيادٍ أجنبية، وتعلو أصواتٌ تبحث عن دورٍ في خرائط لا مكان فيها إلا للدول الضعيفة المتناحرة. وفي خضم هذا المشهد، نقع بحكم تعقيد الواقع وتدفق المعلومات المضللة في فخ الاتهامات المتبادلة، وننكر تضحياتٍ تاريخية متبادلة، فينسى كل طرفٍ ما كان للآخر، وتُختزل علاقةٌ عميقة في لحظة انفعالٍ عابرة.
إن الرهان اليوم ليس على من ينتصر في سجالٍ عابر، بل على من يصون ما تبقى من وعيٍ مشترك. أن ندرك أن كل كلمةٍ قد تُشيد قطيعة، وأن كل موقفٍ متسرع قد يخدم مشروعاً لا نراه. لسنا في مواجهة بعضنا، بل في مواجهة سردياتٍ تُدفع إلينا لنُعيد إنتاجها بأيدينا. وحين تتحول بعض المنصات إلى مساحاتٍ تُعيد تعريف العدو صديقاً، والأخ خصماً، ندرك حجم الخلل في بوصلة الخطاب. فالسياسة الحكيمة لا تنفصل عن أخلاقياتها، والدبلوماسية الراقية لا تكتمل إلا بميزانٍ من وعيٍ ومسؤولية.
أيها الإخوة في الخليج ومصر، يا من جمعتكم وحدة الدم، ووحدتكم قبلةٌ واحدة إلى متى نُمعن في جرح بعضنا بأيدينا؟ وإلى متى نمنح دون أن نشعر مساحاتٍ أوسع لمشاريع لا تؤمن بوجودنا؟ أما آن الأوان أن نقولها بوضوحٍ يليق بتاريخنا: لن نكون أدواتٍ في فتنةٍ تُدار من خارجنا؟
ختاماً، إن مصر ليست مجرد دولة في معادلة الأمن العربي، بل هي ثقلٌ استراتيجي لا يُستبدل حين تضطرب الموازين، والخليج ليس امتداداً جغرافياً فحسب، بل هو السند الاقتصادي والسياسي الذي يمنح هذا الثقل فاعليته واستمراره. فالعلاقة بينهما لم تُبنَ على ظرفٍ عابر، بل على توازنٍ دقيق يصنع القوة حين يلتقي العمق مع الامتداد.فإذا كانت مصر هي الدرع الصلب الذي يحمي جسد الأمة ويصوغ معادلات أمنها، فإن الخليج هو القلب النابض الذي يمد هذا الجسد بأسباب الحياة والاستقرار. مصر هي المعادلة حين تختلط الخرائط، والخليج هو توازنها حين تتعرض للاهتزاز، فلا هذه تستغني عن تلك، ولا تلك تقوم دون هذه، وفي اجتماعهما فقط تُحفظ هيبة المنطقة وتُصان من كل محاولة كسرٍ أو اختراق.
اللهم اجمع شمل هذه الأمة قبل أن يجمعها الحساب، وردّنا إلى وعينا رداً جميلاً، واكشف عن بصائرنا غشاوة الحملات الرقمية الموجّهة والأقلام المأجورة، ونجنا من أن نكون وقوداً في معارك لا نراها. اللهم ردّنا إلى بعضنا رداً حكيماً، ووحد كلمتنا، وقوِّ جيوشنا، واحفظ أوطاننا، واصرف عنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، واجعلنا يداً واحدة على الحق.
وتبقى الحقيقة القرآنية حاضرة: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾









