في توقيت إقليمي ودولي بالغ الحساسية، جاءت مناقشات اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب حول رؤية وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية لتكشف أن مصر لا تعد فقط خطة سنوية جديدة، بل تسعى إلى إعادة صياغة نموذج إدارة الاقتصاد الوطني في السنوات المقبلة، عبر المزج بين الاستقرار المالي، وتحفيز النمو، وزيادة دور القطاع الخاص، مع الحفاظ على البعد الاجتماعي وتحسين جودة حياة المواطن.
العرض الذي قدمه وزير التخطيط الدكتور أحمد رستم لم يكن مجرد سرد إداري، بل تضمن أرقامًا ومؤشرات تعكس اتجاهًا واضحًا: الانتقال من مرحلة إدارة الصدمات المتتالية إلى مرحلة بناء اقتصاد أكثر قدرة على النمو والمرونة.
بحسب ما عرضه الوزير، فإن الاقتصاد المصري تعرض خلال العقدين الأخيرين لصدمات متلاحقة، محلية وخارجية، أثرت على استدامة النمو الاقتصادي. ومع ذلك، سجل الاقتصاد المصري معدل نمو بلغ 4.4% في العام المالي 2024/2025، مقارنة بـ 2.4% في العام المالي 2023/2024، وهو ما يعني أن الاقتصاد تمكن من استعادة جزء مهم من زخمه خلال عام واحد.
كما أشار العرض إلى أن الربعين الأول والثاني من العام المالي الجاري شهدا أداءً قويًا، رغم استمرار الضغوط العالمية والإقليمية.
هذه الأرقام تعني أن الاقتصاد المصري يمتلك قدرة على التعافي، لكنها تظل قدرة مشروطة باستمرار الإصلاحات واحتواء المخاطر الخارجية.
مستهدفات النمو صعود تدريجي حتى 2030
الخطة الجديدة تستهدف أن يسجل الاقتصاد المصري نموًا بنسبة 5.4% بنهاية العام المالي 2026/2027، ثم يرتفع تدريجيًا إلى 6.8% بحلول العام المالي 2029/2030 مع نهاية الخطة متوسطة المدى. وفي المقابل، وضعت الحكومة سيناريو متحفظًا حال استمرار الاضطرابات الدولية والإقليمية، بحيث يسجل النمو 5.2% بدلًا من 5.4%.
وجود سيناريوهين يعكس تطورًا مهمًا في التفكير الاقتصادي، لأن التخطيط الحديث لا يقوم على رقم جامد، بل على إدارة المخاطر والاحتمالات.
اقتصاد بحجم 24.5 تريليون جنيه
من أبرز ما ورد في الخطة أن الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية من المتوقع أن يصل إلى 24.5 تريليون جنيه في العام المالي المقبل، مقارنة بنحو 21.2 تريليون جنيه متوقعة بنهاية العام المالي الجاري. أي أن الاقتصاد المصري مرشح لزيادة اسمية تقارب 3.3 تريليون جنيه خلال عام واحد، وهو توسع كبير يعكس مزيجًا من النمو الحقيقي والنمو الاسمي الناتج عن ارتفاع الأسعار. كما أوضح العرض أن أربعة قطاعات رئيسية تسهم بنسبة 62% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي: «الزراعة، الصناعة، الإنشاءات، تجارة الجملة، والتجزئة وهو ما يعني أن الاقتصاد المصري لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على القطاعات التقليدية، مع فرصة واضحة لزيادة وزن الصناعة الحديثة والخدمات التصديرية».
خمسة قطاعات تقود النمو
أشار الوزير إلى أن خمسة قطاعات ستسهم بنحو 64% من النمو الاقتصادي خلال العام المالي 2026/2027، وجاء ترتيبها كالتالي:
1. الصناعات التحويلية: 29% من النمو
2. تجارة الجملة والتجزئة: 11.3%
3. السياحة: 9.3%
4. التشييد والبناء: 7.2%
5. الزراعة: 7%
هذا التوزيع يحمل دلالتين مهمتين:
أولًا: الصناعة عادت إلى الصدارة كون الصناعات التحويلية مسؤولة وحدها عن 29% من النمو يعد مؤشرًا بالغ الأهمية، لأن الصناعة هي المصدر الأكثر استدامة لخلق الوظائف وزيادة الصادرات وتقليل الواردات.
ثانيًا: استمرار دور القطاعات الخدمية والتقليدية فمساهمة التجارة والسياحة والتشييد تعني أن الاقتصاد لا يزال يعتمد على قطاعات سريعة الحركة لكنها أكثر حساسية للصدمات الخارجية مقارنة بالصناعة التصديرية.
3.7 تريليون جنيه استثمارات وتحول نحو القطاع الخاص
تتوقع الخطة أن يبلغ إجمالي الاستثمارات الكلية خلال العام المالي المقبل 3.7 تريليون جنيه، موزعة على النحو التالي:
1.5 تريليون جنيه استثمارات عامة تمثل 41%
2.2 تريليون جنيه استثمارات خاصة تمثل 59%
هذا الرقم بالغ الدلالة، لأنه يعكس استمرار التحول نحو نموذج اقتصادي يقوده القطاع الخاص، بدلًا من اعتماد النمو بصورة أساسية على الإنفاق الحكومي.
كما يبلغ معدل الاستثمار إلى الناتج المحلي نحو 17%، وهو معدل جيد، لكنه لا يزال أقل من المعدلات التي تحققها الاقتصادات الصاعدة سريعة النمو، والتي تتجاوز في كثير من الأحيان 25%.
وهذا يعني أن مصر تحتاج مستقبلًا إلى رفع معدل الاستثمار، أو على الأقل زيادة كفاءة كل جنيه يتم استثماره.
البعد الاجتماعي حاضر في الخطة
رغم التركيز على الأرقام الكلية، شدد الوزير على أن الخطة تضع المواطن في القلب، عبر زيادة الاستثمارات العامة الموجهة إلى: «الصحة والسكان، التعليم قبل الجامعي، التعليم العالي، البحث العلمي، الحماية الاجتماعية».
إلى جانب استكمال المرحلة الأولى من مبادرة حياة كريمة والبدء في المرحلة الثانية، فضلًا عن الإسراع في تطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل. وهذا مهم، لأن النمو الاقتصادي الذي لا ينعكس على التعليم والصحة والدخل الحقيقي يظل نموًا ناقصًا اجتماعيًا.
24 إجراءً و109 مؤشرات أداء
من النقاط اللافتة أن وزارة التخطيط أعلنت أن خطة عملها تتضمن: « 24 إجراءً جديدًا، موزعة على 6 محاور عمل، مع 109 مؤشرات متابعة أداء».
هذا يشير إلى محاولة الانتقال من التخطيط القائم على الشعارات إلى التخطيط القائم على القياس والمتابعة، وهو تحول مؤسسي مهم إذا تم تطبيقه بجدية وشفافية.
ثلاث مبادرات جديدة للتشغيل والتنمية
أعلنت الوزارة أيضًا عن 3 مبادرات تبدأ في العام المالي 2026/2027، أبرزها:
التجمعات الإنتاجية المنتجة
دعم ريادة الأعمال والشركات الناشئة
زيادة استثمارات القطاع الخاص في البنية التحتية
وهذه المبادرات قد تكون أكثر تأثيرًا من كثير من المشروعات التقليدية، لأنها تستهدف خلق وظائف مستدامة وتعميق القاعدة الإنتاجية.
الأرقام إيجابية لكن الامتحان في الواقع
تعكس الخطة طموحًا واضحًا:
نمو يصل إلى 5.4% ثم 6.8%
اقتصاد بحجم 24.5 تريليون جنيه
استثمارات بقيمة 3.7 تريليون جنيه
قطاع خاص يقود 59% من الاستثمار
صناعة تسهم بـ 29% من النمو
لكن السؤال الحاسم سيظل خارج الجداول الرقمية: هل يشعر المواطن بانخفاض الضغوط المعيشية؟ هل ترتفع فرص العمل الجيدة؟ هل تتحسن الخدمات الأساسية؟ هل يزيد الدخل الحقيقي للأسرة المصرية؟ إذا تحولت هذه الأرقام إلى أثر ملموس، فقد تكون مصر بالفعل أمام بداية مرحلة تخطيط اقتصادي جديد.
اقرأ أيضاًالإمارات وأوبك.. .من اقتصاد الآبار إلى سيطرة المكانة









