مقالات

الحوثيون وتهديد شريان الطاقة العالمي وتحويل باب المندب إلى ساحة ابتزاز إيراني وتمدد إسرائيلي

حين يُذكر البحر الأحمر وباب المندب، فإن الحديث لا يدور عن ممر مائي عادي، بل عن أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي والطاقة الدولية، فهذه المنطقة تمثل عقدة الربط بين آسيا والخليج العربي وقناة السويس وأوروبا وإفريقيا، وتعبر منها ملايين براميل النفط يوميًا، إضافة إلى نسبة ضخمة من التجارة العالمية.

لقد تحول تهديد الملاحة في باب المندب إلى قضية عالمية تمس الاقتصاد الدولي مباشرة، بعدما أصبحت الهجمات على السفن وتهديد خطوط الطاقة وسيلة ضغط سياسي وعسكري تتجاوز حدود اليمن، ولم يعد البحر الأحمر مجرد ممر مائي عابر للسفن التجارية، بل أصبح اليوم واحداً من أخطر مسارح الصراع الجيوسياسي في العالم، فمن مضيق هرمز شرقاً إلى باب المندب غرباً، تتحرك تجارة الطاقة العالمية تحت تهديد مستمر، في منطقة يمر عبرها جزء ضخم من نفط العالم وغازه وسلاسله التجارية، وفي قلب هذا المشهد تقف مليشيا الحوثي الإرهابية، ليس فقط كجماعة متمردة داخل اليمن، بل كأداة إقليمية تسعى لرسم خرائط النفوذ والأمن البحري لصالح المشروع الإيراني الساعي للهيمنة البحرية كما أعلنت طهران أكثر من مرة.

ولهذا لم يكن ما تفعله هذه المليشيات في البحر الأحمر مجرد “هجمات عسكرية” معزولة، بل تحول إلى تهديد استراتيجي مباشر للدول العربية المطلة، وللاقتصاد العالمي وأمن الطاقة والملاحة الدولية، والأخطر أن هذه المليشيات لم تعد تتحرك فقط كقوة محلية داخل اليمن بل أصبحت جزءا من شبكة إقليمية أكبر بما عُرف بمحور دعم إيران، وتستخدم فيها الجغرافيا اليمنية لخدمة مشاريع تتجاوز اليمن نفسه.

والسؤال الأهم اليوم ليس فقط كيف تهدد مليشيا الحوثي الإرهابية الملاحة؟ بل من المستفيد الحقيقي من هذا التهديد؟ وكيف أصبحت الجماعة تخدم مشاريع متناقضة ظاهرياً، لكنها تلتقي عند نقطة واحدة هي إعادة تشكيل البحر الأحمر سياسياً وعسكرياً واقتصادياً؟ ومن هنا يمكن فهم خطورة الدور الحوثي من خلال خدمة المشروع الإيراني في سياسة “تهديد المضائق” كورقة ابتزاز ضد الولايات المتحدة والغرب، وتقديم مبررات غير مسبوقة لإسرائيل للتوسع الأمني والعسكري والسياسي في البحر الأحمر والدول المطلة عليه.

وهذا ما سيناقشه المقال في العناوين التالية:

أولا: باب المندب.. .لماذا هو مهم للعالم؟

باب المندب ليس مجرد ممر بحري بين اليمن والقرن الإفريقي وقناة السويس، بل هو بوابة الطاقة العالمية بين الشرق والغرب، فأي اضطراب فيه ينعكس فورًا على:

1- أسعار النفط والطاقة.

2- تكاليف الشحن البحري.

3- التجارة العالمية.

4- أمن أوروبا الاقتصادي.

5- سلاسل الإمداد الدولية.

ولهذا فإن مجرد التهديد بإغلاق باب المندب أو استهداف السفن يجعل شركات الشحن العالمية تعيد حساباتها، ويرفع تكاليف التأمين، ويدفع السفن للدوران حول رأس الرجاء الصالح، ما يعني زيادة الوقت والتكاليف بشكل هائل. بمعنى آخر مليشيا الإرهاب الحوثي لا تهدد اليمن فقط، بل تهدد الاقتصاد العالمي بأكمله.

ثانيا: مليشيا الحوثي الإرهابية كورقة إيرانية لابتزاز العالم عبر المضايق البحرية

منذ سنوات تبنت إيران استراتيجية تقوم على فكرة “إذا تعرضنا للضغط فلن تكون المنطقة آمنة”، وهي استراتيجية تقوم على تهديد شرايين الطاقة العالمية كلما اشتد الضغط الأمريكي والغربي عليها، فطهران تدرك أن العالم قد يتحمل كثيراً من الأزمات، لكنه لا يحتمل اضطراب تدفق النفط والتجارة الدولية، ولهذا أقامت ودعمت ومولت أذرعها في المنطقة لتحقيق هذه الاستراتيجية.

فإيران تدرك أن تهديد الملاحة الدولية يمنحها أوراق تفاوض قوية مع الغرب، ولذلك تستخدم المليشيا الحوثية الإرهابية كرسالة دائمة تقول: إذا اشتد الضغط على طهران، فإن المضائق البحرية من هرمز إلى باب المندب يمكن أن تتحول إلى مناطق اشتعال. ولهذا بنت نفوذاً عسكرياً عبر أذرع متعددة في المنطقة، من لبنان إلى العراق وسوريا واليمن وفي هذا السياق أصبحت مليشيا الحوثي الإرهابية الذراع الإيرانية الأخطر في جنوب الجزيرة العربية، لأنهم يسيطرون على موقع يطل على أحد أهم المضائق البحرية في العالم.

وهنا تظهر وظيفة مليشيا الحوثي الإرهابية الحقيقية ضمن المشروع الإيراني، فهم لا يهددون السفن لمصلحة اليمن، ولا دفاعاً عن القضية الفلسطينية كما يروج إعلامهم، بل لأنها تمثل ذراعاً متقدمة لإيران تستخدمها عند الحاجة لرفع تكلفة الضغوط الأمريكية عليها. وهناك ترابط واضح بين تهديد إيران بإغلاق مضيق هرمز، وتهديد الحوثيين للملاحة في باب المندب والبحر الأحمر، فالمشروع واحد، والرسالة واحدة، والأداة موزعة جغرافيا.

فإيران لا تحتاج إلى مواجهة مباشرة مع أمريكا، بل يكفيها تشغيل أذرعها لرفع تكلفة الضغط عليها عالمياً، ولهذا كلما تعرضت طهران لعقوبات أو تهديدات، ارتفع مستوى التصعيد الحوثي في البحر الأحمر. إيران تريد أن تقول للعالم، إذا خنقت طهران اقتصادياً، فلن يبقى مسار الطاقة العالمي آمناً. ولذلك فإن تهديد المليشيا الحوثية الإرهابية لباب المندب لا يمكن فصله عن الاستراتيجية الإيرانية الكبرى التي تسعى إلى الإمساك بخناق التجارة الدولية من جهتين: مضيق هرمز شرقاً وباب المندب غرباً.

ثالثا: كيف أضرت مليشيا الحوثي الإرهابية بالاقتصاد العالمي؟

الهجمات الحوثية على السفن لم تُحدث أزمة أمنية فقط، بل خلقت آثاراً اقتصادية واسعة، أهمها:

– ارتفاع تكاليف الشحن: كثير من السفن اضطرت لتغيير مساراتها بعيداً عن البحر الأحمر، ما يعني رحلات أطول وتكاليف أكبر.

– ارتفاع أسعار التأمين: شركات التأمين رفعت أسعارها على السفن العابرة للبحر الأحمر بسبب المخاطر الأمنية.

– تهديد إمدادات الطاقة: إن أي اضطراب في هذا المسار ينعكس فوراً على أسواق النفط والغاز عالمياً.

– إضعاف اقتصادات الدول المطلة على البحر الأحمر:* فالدول التي تعتمد على الموانئ والتجارة البحرية تتضرر مباشرة من أي توتر طويل الأمد.

رابعا: المليشيا الحوثية الإرهابية وخدمة إسرائيل

أ- التوسع الإسرائيلي في البحر الأحمر

المفارقة الكبرى والأخطر أن المليشيا الحوثية الإرهابية وهي ترفع شعارات “الموت لإسرائيل” قدمت عملياً لإسرائيل أكبر فرصة استراتيجية للتوسع في البحر الأحمر، وهو ما لم تستطع إسرائيل تحقيقه لعقود.فإسرائيل كانت تسعى منذ سنوات طويلة إلى توسيع حضورها الأمني والعسكري والاستخباراتي في البحر الأحمر، لكنها كانت تواجه حساسية عربية وإقليمية تمنع هذا التمدد بشكل علني، ومع تصاعد التهديدات الحوثية، تغير المشهد بالكامل، فأصبحت إسرائيل تقدم نفسها للعالم باعتبارها شريكاً ضرورياً في حماية الملاحة الدولية.

ووجدت القوى الغربية مبرراً أكبر لتعزيز التنسيق الأمني والعسكري معها، بل إن بعض الدول المطلة على البحر الأحمر أصبحت أكثر انفتاحاً على التعاون الأمني والاستخباراتي مع إسرائيل تحت عنوان “حماية الممرات البحرية”. وهكذا تحولت مليشيا الحوثي الإرهابية – من حيث النتيجة لا الشعار – إلى قوة ساهمت في شرعنة الحضور الإسرائيلي ومنحت تل أبيب فرصة ذهبية للتوسع.

ب- تمدد إسرائيل من البحر الأحمر إلى إفريقيا

التهديد الحوثي لم يفتح الباب أمام الوجود الإسرائيلي البحري فقط، بل ساعد أيضاً في توسيع النفوذ الإسرائيلي في الدول المطلة على البحر الأحمر والقرن الإفريقي وأعطاها فرصة فريدة لتمدد جديد واعترافها بأرض الصومال أحد نتائجه. الخوف من اضطراب الملاحة دفع بعض الدول إلى تعزيز التعاون الأمني مع إسرائيل، وفتح المجال أمام ترتيبات عسكرية جديدة. أي أن المليشيا الحوثية الإرهابية ساهمت بشكل غير مباشر في إعادة تشكيل البيئة الجيوسياسية للبحر الأحمر بما يخدم التمدد الإسرائيلي.

خامسا: اليمن هو الخاسر الأكبر

بين المشروع الإيراني والطموحات الإسرائيلية، يبقى اليمن هو الضحية الأكبر، فالبلد الذي كان يمكن أن يتحول إلى مركز اقتصادي عالمي، أصبح ساحة صراع إقليمي ودولي. وبدل أن يكون باب المندب مصدر قوة وتنمية لليمن، تحول إلى ساحة عسكرة ومنصة تهديد وبوابة تدخلات خارجية. وهذا ما جعل الاقتصاد اليمني ينهار، والموانئ تتراجع والاستثمار يهرب فيما يخسر اليمنيون فرصتهم التاريخية في الاستفادة من أهم موقع جغرافي.

سادسا: أين تقف الشرعية اليمنية والتحالف والمجتمع الدولي؟

الحقيقة المؤلمة أن خطر المليشيا الحوثية الإرهابية تحول إلى تهديد عالمي، لكن المواجهة ما زالت تدار غالباً بردود فعل مؤقتة لا ضمن استراتيجية شاملة. فالشرعية اليمنية تواجه تحدياً مصيريا، إذ لا يمكن استعادة الدولة بينما تبقى جماعة مسلحة تتحكم بجزء من أهم السواحل اليمنية. أما المجتمع الدولي فقد اكتشف متأخراً أن التساهل مع الحوثيين لم يؤد إلى السلام، بل إلى تضخم التهديد البحري.

وتقوم أي مقاربة حقيقية لحماية البحر الأحمر على عدة مسارات:

1- دعم الدولة اليمنية واستعادة مؤسساتها.

2- تعميق الشراكة مع السعودية.

3- منع تهريب السلاح الإيراني للحوثيين.

4- تأمين السواحل والممرات البحرية.

5- تجفيف مصادر تمويل الجماعة.

6- بناء شراكة إقليمية لحماية البحر الأحمر باعتباره عمقاً استراتيجياً عربياً.

سابعا: الشراكة مع السعودية.. صمام الأمان

إن مواجهة تهديد المليشيا الحوثية الإرهابية لا يمكن أن تنجح دون شراكة استراتيجية عميقة مع المملكة العربية السعودية، باعتبارها الدولة الأكثر إدراكاً لخطورة المشروع الإيراني. فالسعودية لا تدافع فقط عن حدودها، بل عن استقرار الإقليم بأكمله، ومن هنا تبرز أهمية التكامل السياسي والعسكري والاقتصادي مع الرياض وتوحيد الرؤى تجاه أمن الممرات البحرية.

ثامنا: مصر والبحر الأحمر.. أمن باب المندب جزء من أمن قناة السويس

تدرك جمهورية مصر العربية أن أمن باب المندب هو امتداد مباشر لأمن قناة السويس، فكل تهديد للملاحة فيه ينعكس مباشرة على حركة التجارة العابرة للقناة وعلى الاقتصاد المصري. ولهذا تمثل مصر ركناً محورياً في أي تحالف إقليمي بما تمتلكه من ثقل عسكري وخبرة بحرية تجعلها لاعباً أساسياً في تأمين الممر ومنع تحويله إلى ساحة ابتزاز إيراني.

خاتمة

ما يحدث في البحر الأحمر اليوم ليس مجرد أزمة أمنية عابرة، بل صراع عميق على الجغرافيا والنفوذ الدولي. المليشيا الحوثية الإرهابية تحولت إلى أداة تخدم الاستراتيجية الإيرانية وتمنح إسرائيل مبررات للتوسع، بينما يدفع اليمن والعرب ثمن هذا الانهيار الاستراتيجي.

إن حماية باب المندب لم تعد قضية يمنية فقط، بل ضرورة استراتيجية تتعلق بمستقبل المنطقة كلها. ويبقى السؤال الأخطر: هل يدرك اليمنيون أن استعادة الدولة هي معركة لحماية موقع اليمن البحري الذي يعني مستقبل اليمن وثروته المتواجدة في مساحة بحرية تبلغ 500، 050 كم مربع؟

صمت الحوثيين عما يحدث لإيران

عاجل.. الحوثيون: قصفنا بصاروخ باليستي فرط صوتي أهدافا إسرائيلية في تل أبيب

«الحوثيون» يكشفون أسباب دخولهم الحرب الأمريكية الإيرانية بشكل رسمي

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts