في توقيت بالغ الحساسية اقتصاديًا واجتماعيًا، يبرز حديث وزير الصناعة خالد هاشم بشأن توجه الدولة لإنشاء مصانع صغيرة ومتوسطة داخل القرى ضمن مشروع «القرية المنتجة»، باعتباره إشارة مهمة إلى أن الدولة بدأت تقترب من جوهر الأزمة المصرية الحقيقية، وهي التركز السكاني والاقتصادي الخانق في القاهرة والمدن الكبرى، مقابل تهميش قطاعات واسعة من الريف المصري رغم ما تمتلكه من موارد وثروات وإمكانات بشرية هائلة.
الفكرة في ظاهرها تبدو تنموية تقليدية، لكنها في حقيقتها يمكن أن تكون بداية لتحول استراتيجي ضخم إذا جرى البناء عليها بصورة علمية وشاملة، لا باعتبارها مجرد مبادرة محدودة أو مشروعًا تجريبيًا مؤقتًا. فمنذ سنوات طرحتُ في العديد من المقالات دراسة وطنية تحت عنوان «بناء مصر من القاع إلى القمة»، تقوم فلسفتها الأساسية على توطين الصناعة بطول وعرض الجمهورية، وربط كل محافظة بمواردها الطبيعية والبشرية، بحيث تتحول مصر تدريجيًا إلى شبكة إنتاج متكاملة، لا إلى دولة مركزية تبتلع فيها العاصمة كل شيء.
جوهر الفكرة بسيط لكنه شديد العمق، أن تقوم كل محافظة بإعداد ملف اقتصادي واستثماري كامل يتضمن حصرًا دقيقًا لثرواتها ومواردها، سواء كانت زراعية أو تعدينية أو صناعية أو حرفية أو لوجستية، مع تحديد أحجام تلك الموارد ومواقعها وطرق استغلالها المثلى. وعلى أساس هذا الحصر تُقام الصناعات في الحيز الجغرافي الأقرب للمورد نفسه، لا أن يتم نقل الخامات عبر مئات الكيلومترات لتتركز المصانع في مناطق محدودة بينما تبقى المحافظات المنتجة فقيرة ومهمشة.
حينها فقط سنكون أمام مشروع حقيقي لبناء دولة إنتاج، لا دولة استهلاك.
تجربة الصين لم تقم على العاصمة وحدها، بل على تحويل الأقاليم والقرى والمدن الصغيرة إلى وحدات إنتاج متخصصة، كل منطقة تتقن صناعة أو نشاطًا معينًا، حتى تشكلت في النهاية قلعة صناعية هائلة تستند إلى انتشار جغرافي واسع وقاعدة بشرية ضخمة.
ومصر تمتلك مقومات مشابهة وربما أكثر تميزًا، موقع استراتيجي عالمي، موانئ، قناة ملاحة هي الأهم عالميًا، ثروات زراعية وتعدينية متنوعة، وسوقًا داخليًا ضخمًا، لكنها تحتاج إلى إعادة توزيع التنمية لا إعادة تدويرها داخل نفس النطاق الجغرافي الضيق.
إن توطين الصناعات داخل المحافظات لن يحقق فقط طفرة اقتصادية، بل سيعالج واحدة من أخطر أزمات مصر المزمنة، وهي التكدس السكاني والهجرة الداخلية العشوائية. فمعظم موجات الهجرة من الريف إلى المدن لم تكن بحثًا عن الرفاهية، بل هروبًا من غياب الفرصة.
المواطن لا يترك أرضه وأهله وقريته إلا حين يشعر أن المستقبل هناك مغلق.
أما إذا وجد مصنعًا وفرصة عمل وتعليمًا جيدًا وخدمات حقيقية داخل محافظته، فلن تكون هناك حاجة للهجرة أصلًا.
ومن هنا يصبح مشروع «القرية المنتجة» إذا أُحسن تطويره، مشروع أمن قومي قبل أن يكون مشروعًا اقتصاديًا.
لكن نجاح هذا الطرح لا يتوقف على إنشاء مصانع فقط، بل على بناء منظومة متكاملة حول الصناعة، فإلى جوار كل منطقة إنتاج يجب إنشاء بنية تحتية حديثة للتخزين والتغليف والنقل والتسويق والتصدير، مع ربط تلك الصناعات بموانئ ومناطق لوجستية تضمن سرعة الحركة وتقليل التكلفة.
كما يجب تأسيس مدارس ومعاهد فنية عصرية مرتبطة مباشرة بطبيعة الصناعات الموجودة في كل محافظة، حتى يتحول التعليم الفني من عبء اجتماعي إلى مسار احترافي محترم يضمن مستقبلًا حقيقيًا للشباب.
إن أخطر ما تواجهه مصر اليوم ليس نقص الموارد، بل الفجوة بين التعليم وسوق العمل. آلاف الخريجين يحملون شهادات لا يحتاجها السوق، بينما تعاني قطاعات إنتاجية كاملة من نقص الكوادر الفنية المدربة، ولهذا فإن ربط التعليم بالصناعة لم يعد رفاهية، بل ضرورة وجود.
ومن أهم ما يمكن أن يمنح هذا المشروع قوة واستدامة، أن تتحول تلك الصناعات إلى ملكية مجتمعية جزئية لأبناء المحافظات نفسها، عبر طرح أسهم للمواطنين داخل النطاق الجغرافي للمشروع، سواء على مستوى القرية أو المركز أو المحافظة.
هنا لن يكون المواطن مجرد موظف ينتظر راتبًا آخر الشهر، بل شريكًا حقيقيًا في النجاح، يشعر أن المصنع مصنعه، وأن الحفاظ عليه حفاظ على مستقبله ومستقبل أبنائه.
هذه الفكرة تخلق ما يمكن تسميته بـ«توطين الانتماء الإنتاجي»، حيث يتحول الانتماء الوطني من شعارات إلى مصالح مشتركة وجهد جماعي وإحساس حقيقي بالمشاركة.
كما أن توزيع الصناعة على كامل الجمهورية سيخلق مجتمعات عمرانية جديدة بصورة طبيعية، دون الحاجة إلى دفع الناس قسرًا للهجرة إلى المدن الجديدة. فالعمران الحقيقي لا يبنى بالإسمنت وحده، بل بالفرصة الاقتصادية التي تمنح الحياة للمكان.
ورغم أهمية ما أعلنته وزارة الصناعة، فإن التحدي الأكبر سيظل في آلية التنفيذ. فالحقيقة التي يجب الاعتراف بها بشجاعة، أن البيروقراطية التقليدية في كثير من مؤسسات الدولة أصبحت غير قادرة على قيادة مشروعات تنموية عملاقة بالسرعة والكفاءة المطلوبة. التعقيد الإداري والروتين وتضارب الاختصاصات قد يبتلع أي مشروع مهما كانت فكرته عظيمة.
ولهذا فإن نجاح مشروع بهذا الحجم يتطلب إدارة مستقلة بعقلية اقتصادية حديثة، تمتلك صلاحيات واسعة، ونظم تشغيل وأجور مختلفة، وقادرة على جذب الكفاءات الحقيقية.
وقد يكون من الأنسب إنشاء كيان وطني تنفيذي احترافي بالشراكة مع مؤسسات الدولة ذات الكفاءة والانضباط العالي، وعلى رأسها الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، لتخطيط وتنفيذ ومتابعة هذا المشروع العملاق بعيدًا عن الترهل الإداري المعتاد.
إن مصر لا ينقصها الحلم، بل تحتاج إلى مشروع وطني كبير يعيد توزيع الحياة على خريطة الوطن.
وإذا كانت الجمهورية الجديدة تريد بالفعل بناء دولة قوية ومستقرة، فإن الطريق يبدأ من هنا، من القرية، من المصنع، من المدرسة الفنية، من تحويل المواطن من مستهلك إلى منتج، ومن إعادة اكتشاف ثروات مصر الكامنة في كل شبر من أرضها، فالأمم لا تُبنى من القمة وحدها، بل تُبنى حين تنهض القاعدة كلها معًا.









