مقالات

حين تتحول القيم إلى نماذج تُحتذى في زمن «الترند».. من يصنع وعى الأجيال؟ – الأسبوع


د. طارق هلال

في مسيرة الأمم، لا تبنى الحضارات بالموارد وحدها، بل تبنى أولاً بالإنسان، والإنسان بدوره يتشكل عبر منظومة من القيم والسلوكيات التي يكتسبها من محيطه، ويتأثر بها من خلال النماذج التي يراها أمامه كل يوم. ومن هنا تبرز فكرة «القدوة» باعتبارها أحد أخطر وأهم عناصر بناء الشخصية الإنسانية، خاصة لدى الأجيال الشابة التي تبحث دائما عمن يشبه أحلامها ويؤثر في وعيها.

وعبر التاريخ، عرفت الشخصية المصرية بقدرتها الفريدة على التوازن بين الأصالة والتجدد، فمنذ فجر الحضارة على ضفاف النيل، استطاع المصري أن يقدم للعالم نموذجا للإنسان الذي يجمع بين العلم والعمل والإيمان بالقيم. هذه الشخصية التي بنت المعابد، وشيدت المدن، وواجهت التحديات عبر آلاف السنين، لم تكن لتستمر بهذا الزخم الحضاري لولا وجود نماذج ملهمة قادت المجتمع وغرست فيه معاني الانتماء والمسؤولية.

فحين يذكر الأدب العربي، يتصدر اسم نجيب محفوظ الذي لم يكن مجرد روائي، بل حالة ثقافية صنعت وعيا كاملا، وحول تفاصيل الحارة المصرية إلى أدب عالمي تدرسه الجامعات. وحين يذكر العلم، يبرز اسم أحمد زويل الذي أثبت أن العقل المصري قادر على الوصول إلى العالمية حين يقترن الطموح بالعلم والانضباط. وفي الطب والإنسانية، يبقى مجدي يعقوب نموذجا استثنائيا لمعنى النجاح المرتبط بالرحمة والعطاء وخدمة الإنسان قبل الشهرة. أما في الرياضة، فقد أصبح محمد صلاح أكثر من مجرد لاعب كرة قدم، بل نموذجا عالمياً للشاب الذي حافظ على أخلاقه وهويته رغم النجومية والنجاح العالمي. هذه النماذج لم تصنع تأثيرها عبر الضجيج أو «الترند»، بل عبر سنوات طويلة من الجهد والقيمة والاحترام الحقيقي.

لكن المشهد اليوم تغير بصورة كبيرة، فنحن نعيش في عصر تتحرك فيه الأفكار بسرعة غير مسبوقة، حيث يبرز «جيل Z» و«جيل ألفا» كأحد أكثر الأجيال تأثيرا في الحاضر والمستقبل.

هذا الجيل نشأ داخل بيئة رقمية مفتوحة على العالم، يمتلك قدرة هائلة على الوصول إلى المعلومات والتفاعل مع الثقافات المختلفة، لكنه في الوقت نفسه يواجه تحديا خطيرا في تحديد النماذج التي يمكن أن يحتذي بها، وسط عالم تتداخل فيه المؤثرات وتتشابك فيه الرسائل.

وهنا تبدأ الأزمة الحقيقية، ففي زمن السوشيال ميديا، لم تعد الشهرة مرتبطة دائماً بالعلم أو القيمة أو الإنجاز، بل قد يتحول شخص بلا مشروع حقيقي إلى “قدوة” فقط لأنه يمتلك ملايين

المشاهدات والمتابعين.

القائد القدوة

والأخطر أن بعض المنصات أصبحت تروج للأكثر إثارة لا للأكثر قيمة، حتى لو كانت الإثارة قائمة على التفاهة أو العنف أو تشويه الهوية أو السخرية من النجاح الحقيقي. ومن هنا تزداد أهمية القدوة الصالحة التي تقدم نموذجاً واقعياً يجمع بين القيم والأفعال، فالقدوة ليست كلمات تقال أو شعارات ترفع، بل سلوك يومي يعكس منظومة أخلاقية واضحة.

وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى حين قال الله تعالى:

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ سورة الأحزاب – الآية (21)

كما ورد في الإنجيل أيضًا:

“فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ”

إنجيل متى (16:5)

فالقدوة في هذا السياق ليست مجرد شخصية يعجب بها الناس، بل طريق عملي لبناء الإنسان المتوازن. وتبدأ رحلة القدوة منذ المراحل الأولى في حياة الإنسان، ففي البيت يمثل الوالدان النموذج الأول الذي يتعلم منه الأبناء معاني الصدق والأمانة وتحمل المسؤولية. ثم تأتي المدرسة حيث يتجسد دور المعلم باعتباره أحد أهم صناع الوعي، فالمعلم الذي يجمع بين العلم والأخلاق والانضباط لا يكتفي بنقل المعرفة، بل يزرع في طلابه حب التعلم واحترام العمل. وفي الجامعة تتسع دائرة التأثير، حيث يلتقي الشباب بنماذج علمية وفكرية تفتح أمامهم آفاق التفكير والإبداع، وتعلمهم كيف يمكن للعلم أن يتحول إلى قوة حقيقية في خدمة المجتمع.

أما في بيئة العمل، فيبرز دور القائد/ المدير الذي يتحول إلى قدوة عملية في الالتزام والكفاءة واحترام الآخرين، فالقائد الحقيقي لا يقود الناس بالسلطة فقط، بل يقودهم بالمثال. وهنا يظهر مفهوم “القائد القدوة”، وهو الذي يسبق الآخرين بسلوكه قبل قراراته، لأن النزاهة والشفافية والعمل الجماعي وتحمل المسؤولية ليست مجرد شعارات إدارية، بل قيم عملية يراها الجميع في تفاصيل سلوكه اليومي.

إن وجود القدوة في المجتمع ليس أمراً رمزياً فقط، بل هو عنصر أساسي في بناء الأفراد وتوجيه طاقاتهم نحو العمل والإبداع، فالشباب عندما يجدون نماذج إيجابية أمامهم يصبح الطريق أكثر وضوحاً، وتتحول الطموحات إلى إنجازات حقيقية. ولهذا فإن المجتمعات التي تحافظ على منظومة القيم، وتقدم نماذج ناجحة وملهمة لأبنائها، تكون أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق

التنمية والاستقرار.

وفي النهاية تبقى الحقيقة الأهم: أن كل إنسان يمكن أن يكون قدوة في موقعه، داخل أسرته، أو عمله، أو مجتمعه. فالسلوك الصادق، والعمل المخلص، واحترام الآخرين، ليست تفاصيل بسيطة، بل هي القيم التي تصنع المجتمعات القوية.

لأن الأمم العظيمة لا تبنى فقط بالخطط والمشروعات والبرامج، بل تبنى أولا بالإنسان الذي يحمل القيم، ويحولها إلى واقع، ويترك خلفه أثراً يستحق أن يحتذى.

العالم بين إعادة تشكيل النفوذ واحتمالات التصعيد.. قبل لقاء القمة بين واشنطن وبكين

النائب العام يفتتح فعاليات دورة «استراتيجية تنمية القيادة الوطنية»

قمة بكين بين واشنطن وبكين.. العالم يترقب إعادة رسم خرائط النفوذ والصراع

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts