مقالات

(50) عامًا على رحيل “مارتن هايدجر” – الأسبوع


طارق عبد الحميد

طارق عبد الحميد

“إذا تقبلت الموت في حياتي واعترفت به وواجهته بشجاعة، فسأحرر نفسي من قلق الموت وتفاهة الحياة، وعندها فقط سأكون حرًا في أن أصبح نفسي”.. هكذا تحدث الفيلسوف الألماني الشهير “مارتن هايدجر” (1889 – 1976م)، والذي تمر في (26) مايو الجاري الذكرى الخمسين لرحيله.

و”هايدجر” هو أحد أكثر الفلاسفة تأثيرًا وعمقًا في القرن العشرين، حيث أحدثت أطروحاته ثورة حقيقية في مسار الفلسفة الغربية، وتحديدًا في مسارات: الوجودية، والظاهراتية (الـفنومنولوجيا)، والتفكيك.

وقد تمثلت المساهمة الكبرى لهذا الفيلسوف في إعادة إحياء “سؤال الوجود” الذي جرى الاعتقاد أن الفلسفة الغربية قد نسيته منذ عهد أفلاطون وأرسطو، منشغلة بدراسة “الموجودات” (الأشياء) بدلًا من دراسة “الوجود” نفسه!

في كتابه الأشهر “الوجود والزمان”، نحت “هايدجر” مفهوم “الدازاين” (النموذج)، وهو مصطلح ألماني يعني حرفيًا “الوجود- هناك”، ويشير به إلى الإنسان باعتباره الكائن الوحيد الذي يعي وجوده ويتساءل عنه، معتبرًا أن وجود الإنسان ليس ثابتًا كالأشياء، بل هو مشروع دائم التشكل، محكوم بالزمن والصيرورة.

ويرى “هايدجر” أن الإنسان غالبًا ما يهرب من عبء الحرية ومواجهة حقيقة وجوده بالانغماس في الحياة اليومية وسلطة “الناس” أو المجموع، وهو ما يسميه “الوجود الزائف”، لكن هذا الهروب يتصدع عندما يواجه الإنسان تجربة “القلق” الكوني، الذي يختلف عن الخوف من شيء محدد، فالقلق يواجهنا بالعدم ويجبرنا على إدراك حقيقة أننا “كائنات متجهة نحو الموت”. هذا الوعي الحاد بالنهاية والزمنية هو المفتاح للانتقال إلى “الوجود الأصيل”، حيث يتحمل الفرد مسؤولية خياراته وقراراته بذاتية مستقلة.

في مرحلته الفكرية المتأخرة، اتجه “هايدجر” إلى نقد الحضارة التقنية الحديثة، إذ رأى أن التقنية لم تعد مجرد أدوات نستخدمها، بل أصبحت “إطارا” يفرض نفسه على العالم، ويحول الطبيعة والإنسان إلى مجرد “رصيد احتياطي” جاهز للاستخدام والاستهلاك، مما أفقد العالم سحره وعمقه الروحي. وفي مواجهة هذا الخطر التقني، أعاد “هايدجر” الاعتبار للغة والشعر، معتبرًا أن “اللغة هي مسكن الوجود”، وأن الشعراء والمفكرين هم حراس هذا المسكن، القادرون على كشف الحقيقة وإعادة ربط الإنسان بالأرض والوجود الإلهي.

رغم الجدل السياسي الضخم الذي أحاط بسيرته الشخصية ومواقفه خلال ثلاثينيات القرن الماضي – انتمائه لفترة من الزمن للحزب النازي- يظل نتاج “هايدجر” الفكري منبعًا لا ينضب، فقد ألهمت أفكاره كبار فلاسفة العصر مثل: (سارتر، ودريدا، وغادامير) ليبقى فكره دليلًا حيًا لكل من يحاول فهم معنى أن يكون الإنسان موجودًا في هذا العالم، أليس هو القائل: “الوجود هو أمر يفوق الفهم، والفهم هو أمر يفوق الوجود”، فضلًا عن مقولته الأيقونية: “إن جعل الفلسفة نفسها مفهومة هو انتحار بالنسبة لها”.

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts