د. طارق هلال
ما يحدث اليوم في الشرق الأوسط لم يعد مجرد توتر سياسي عابر، بل يبدو وكأنه لحظة إعادة تشكيل قاسية للمنطقة بالكامل، فاللغة التي كانت تتحدث يوماً عن «السلام» و«الاستقرار» بدأت تتحول تدريجياً إلى لغة ردع وضغوط وتهديدات وتحالفات عسكرية مفتوحة، وكأن المنطقة تدفع نحو واقع جديد تفرض فيه التوازنات بالقوة لا بالحوار.
وفي قلب هذا المشهد تتصاعد الأسئلة: هل أصبح التطبيع مع إسرائيل جزءاً من معادلة إجبارية تفرضها موازين القوة؟ وهل الحرب مع إيران تحمل أهدافاً أبعد من الملف النووي أو الصراع التقليدي؟ ومن سيدفع الثمن الحقيقي إذا انفجرت المنطقة بالكامل؟
من السلام إلى سياسة الأمر الواقع
عندما ظهرت اتفاقيات أبراهام جرى تقديمها باعتبارها مشروعاً للسلام والتنمية والتعاون الاقتصادي، لكن مع تصاعد الحروب والتوترات الإقليمية، بدأ قطاع واسع من الرأي العام العربي يرى أن المشهد يتحول شيئاً فشيئا من «سلام اختياري» إلى «واقع سياسي مفروض» تحت ضغط القوة والتحالفات الدولية.
فالتطبيع لم يعد يطرح فقط كخيار دبلوماسي، بل كجزء من إعادة تشكيل المنطقة أمنياً واقتصادياً وعسكرياً، ومع كل تصعيد عسكري تتزايد المخاوف من أن تتحول المنطقة إلى محورين متصارعين: محور تقوده إسرائيل مدعوماً أمريكياً، ومحور تقوده إيران وحلفاؤها، وبين المحورين تقف الدول العربية أمام أخطر اختبار استراتيجي منذ عقود.
هل الحرب مع إيران تحمل أهدافاً غير معلنة؟
كثير من المحللين يرون أن أي مواجهة واسعة مع إيران لن تكون فقط بسبب الملف النووي، بل بسبب مشروع النفوذ الإقليمي بالكامل، فالحديث هنا لا يتعلق بدولة واحدة، بل بصراع على: السيطرة على الممرات البحرية، النفوذ في الخليج والبحر الأحمر، خطوط الطاقة العالمية، خرائط التحالفات الجديدة، مستقبل النفوذ الأمريكي في المنطقة.
كما يرى البعض أن أحد الأهداف غير المعلنة يتمثل في إعادة ترتيب الشرق الأوسط بصورة تجعل إسرائيل القوة الأكثر اندماجًا وهيمنة تكنولوجياً وأمنياً داخل الإقليم. وفي المقابل تعتبر إيران أن ما يحدث هو محاولة لمحاصرتها وكسر نفوذها وإعادة رسم المنطقة ضد مصالحها.
تغير لغة الحوار.. من الدبلوماسية إلى الردع
اللافت اليوم أن لغة السياسة نفسها تغيرت. فبدلاً من الحديث عن الحلول السياسية فقط، أصبحت المنطقة تسمع يومياً: تهديدات عسكرية، تحذيرات متبادلة، استعراض قوة، سباق تسلح، تحالفات أمنية متسارعة. وكأن الشرق الأوسط انتقل من مرحلة «إدارة الخلاف» إلى مرحلة «إدارة حافة الانفجار»، وهنا تكمن الخطورة الحقيقية، لأن التصعيد المستمر قد يدفع الجميع إلى حرب لا يريدها أحد، لكن قد يجد الجميع أنفسهم داخلها.
هل الشرق الأوسط هو الخاسر الأكبر؟
للأسف، التاريخ الحديث للمنطقة يقول إن الشعوب غالباً هي من تدفع الفاتورة الأكبر، فعندما تشتعل الحروب، تكون النتائج: استنزاف اقتصادي، انهيار استثمارات، ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، موجات نزوح وهجرة، اضطراب أمني طويل المدى، تراجع التنمية والتعليم والخدمات، ولهذا يخشى كثيرون أن يتحول الشرق الأوسط مرة أخرى إلى ساحة صراع دولي وإقليمي مفتوح، بينما تخسر شعوبه فرص الاستقرار والتنمية لعقود جديدة.
تهديد للدول العربية أم إعادة رسم للتحالفات؟
بعض الدول العربية ترى أن التحالفات الجديدة ضرورة لحماية الأمن القومي ومواجهة الأخطار الإقليمية، بينما تخشى أطراف أخرى من أن يؤدي التصعيد إلى: زيادة الاستقطاب، فرض اصطفافات إجبارية، تهديد الاستقرار الداخلي، تعميق الانقسامات الإقليمية، فالمنطقة أصبحت تعيش حالة شديدة الحساسية، حيث يتحول أي خطأ سياسي أو عسكري إلى احتمال لانفجار واسع يصعب احتواؤه.
موقف مصر.. سياسة التوازن وحسابات الدولة
تظل مصر صاحبة تجربة مختلفة في ملف السلام مع إسرائيل منذ اتفاقية كامب ديفيد.فالقاهرة تدرك بحكم خبرتها الطويلة أن الاستقرار الإقليمي ضرورة استراتيجية، لكنها في الوقت نفسه تحافظ على موقف ثابت يدعم الحقوق الفلسطينية ويرفض تصفية القضية، لذلك تتحرك مصر غالباً وفق معادلة دقيقة تقوم على: حماية الأمن القومي، منع انفجار المنطقة، الحفاظ على التوازنات الدولية، دعم مسار الدولة الفلسطينية، القيام بدور الوسيط الإقليمي.
ولهذا لم تنظر القاهرة إلى الاتفاقيات بمنطق العاطفة أو الرفض المطلق، بل من زاوية تأثيرها على استقرار المنطقة ومصالحها الاستراتيجية.
لماذا يبدو الموقف المصري أكثر هدوءاً؟
القاهرة تعلم من خبرتها التاريخية أن الصراخ الإعلامي لا يصنع توازنات حقيقية. فالسياسة المصرية غالبا تتحرك بمنطق: إدارة الأزمات لا إشعالها، الحفاظ على التوازنات، منع الانفجار الإقليمي، حماية المصالح العربية بأقل خسائر ممكنة، ولهذا تلعب مصر دائماً دور الدولة التي تحاول إبقاء خطوط التواصل مفتوحة حتى في أصعب اللحظات، لأنها تدرك أن البديل قد يكون حرباً إقليمية مفتوحة لا يملك أحد السيطرة على نتائجها.
هل أصبح الشرق الأوسط مشروعاً لإعادة التقسيم السياسي؟
كثير من التحليلات ترى أن ما يجري اليوم يتجاوز فكرة الحرب التقليدية، وأن المنطقة تدخل مرحلة إعادة توزيع للنفوذ والثروة والطاقة والممرات البحرية، فالشرق الأوسط لم يعد فقط ساحة نفط وصراعات حدود، بل أصبح محوراً أساسياً في: التجارة العالمية، الطاقة، التكنولوجيا، الأمن البحري، التنافس الأمريكي الصيني الروسي، ولهذا تبدو المنطقة وكأنها تعيش أخطر مرحلة منذ عقود، حيث تختلط: الحروب، التحالفات، الاقتصاد، الإعلام، الضغوط السياسية، التطبيع، الردع العسكري.
من سيدفع فاتورة الحرب؟
السؤال الأخطر ربما ليس: من سيربح؟ بل: من سيدفع الثمن؟ التجارب السابقة تقول إن: الشعوب تدفع من أمنها وحياتها، الاقتصادات تدفع من استقرارها، الدول النامية تدفع من مستقبل أجيالها، المنطقة كلها تدفع من فرص التنمية. أما القوى الكبرى، فغالباً ما تدير الصراعات وفق حسابات المصالح والنفوذ والتوازنات الدولية، ولهذا تبدو المنطقة اليوم وكأنها تقف أمام مفترق طرق تاريخي: إما أن تنتصر لغة التوازن والعقل والحلول السياسية، أو يدخل الشرق الأوسط مرحلة جديدة من الصراعات المفتوحة التي قد تغير خرائطه ومستقبله بالكامل.
وفي النهاية، قد تستطيع القوى الكبرى صناعة التحالفات، وقد تنجح الجيوش في فرض الردع، لكن أي شرق أوسط يبنى على الخوف وحده سيظل مهدداً بالانفجار في أي لحظة، فالمشهد اتضح، لكن النهاية لم تكتب بعد، ربما أصبح واضحاً أن المنطقة تتجه نحو شرق أوسط مختلف تماما عما عرفناه لعقود.لكن السؤال الحقيقي ليس فقط: من يربح النفوذ؟ بل: هل تستطيع الدول العربية الحفاظ على توازنها وهويتها وقرارها المستقل وسط هذا الإعصار؟ وهنا يبقى الدور المصري محورياً، لأن وجود دولة عربية كبيرة متماسكة وقادرة على الحفاظ على التوازن قد يكون أحد آخر الحواجز أمام انزلاق المنطقة إلى فوضى شاملة.
قد تفرض التحالفات بالقوة، وقد ترسم الخرائط بالنفوذ والسلاح، لكن أي نظام إقليمي لا يقوم على العدالة والاستقرار الحقيقي سيظل معرضاً للاهتزاز مهما بدا قويا في لحظته الحالية.
اقرأ أيضاًقمة بكين بين واشنطن وبكين.. العالم يترقب إعادة رسم خرائط النفوذ والصراع
العالم بين إعادة تشكيل النفوذ واحتمالات التصعيد.. قبل لقاء القمة بين واشنطن وبكين









