وأفادت “التليغراف” بأنه بعد وفاة المرشد الإيراني علي خامنئي والاختفاء الغامض لنجله وخليفته مجتبى، سارعت الرواية السائدة إلى تصوير رئيس البرلمان الإيراني والقيادي السابق في الحرس الثوري محمد باقر قاليباف على أنه “بوتين إيران”.
وبينما لا يزال الحرس الثوري يسيطر إلى حد كبير على النظام، اتضح سريعاً أن قاليباف ليس القوة الحقيقية في طهران.
أحمد وحيدي
وكشفت “التليغراف” أن أحمد وحيدي، القائد العام الجديد للحرس الثوري، هو في الواقع الشخصية الأقوى في النظام، وهو ما أكدته لاحقاً مصادر استخباراتية غربية.
ورغم أن وحيدي يُعد بالتأكيد شخصية محورية في النظام، فإنه كان بعيدا عن قيادة الحرس الثوري خلال السنوات الأخيرة بسبب توليه مناصب مهمة في البيروقراطية الحكومية. لكن منذ اللحظة التي أصبح فيها قائداً عاماً للحرس الثوري، كان بحاجة إلى توسيع قاعدته داخل المؤسسة، خصوصاً بين الأجيال الشابة من الحرس وميليشيا الباسيج.
وهنا وفق الصحيفة، يبرز دور محمد علي جعفري (المعروف أيضا باسم عزيز جعفري)، القائد العام السابق للحرس الثوري، وربما ثاني أقوى شخصية في إيران حالياً. وتشير المعلومات إلى أن تحالفاً غامضاً وخطيرا قد تشكل بين وحيدي وجعفري، وكلاهما من أبرز خصوم قاليباف.
وأصبح الصدام الشخصي بين جعفري وقاليباف معروفا للعامة في عام 2022، بعدما كشف تسجيل مسرب لمحادثة جرت عام 2018، يُعتقد أنها بين جعفري عندما كان قائداً عاماً للحرس الثوري ونائب الشؤون الاقتصادية في الحرس، عن تورط قاليباف في فساد واسع النطاق. إلا أن جعفري نفسه كان من انتهى به الأمر إلى فقدان منصبه.
وبيّنت الصحيفة أن الأمر لم يقتصر على تهميش قاليباف خلال المفاوضات مع الولايات المتحدة، بل إن شائعات متداولة بين شبكات من قيادات الحرس الثوري الأصغر سناً تشير إلى أن الرجل يشعر بالاستياء بعد استبعاده من دائرة النفوذ.
محمد علي جعفري
لكن جعفري لم يهمش، ففي عام 2019 تولى قيادة واحدة من أهم وأكثر المؤسسات السرية التي أنشئت لتوجيه النتائج السياسية والاجتماعية في إيران، وهي مقر “بقية الله” الغامض.
وقد برزت أهمية هذا الجهاز في تسجيل مسرب حصلت عليه الصحيفة من مقر “بقية الله”، حيث كشف نائبه، المسؤول البارز في الحرس الثوري ساسان زارع، أن المقر يتمتع بالمكانة الخاصة نفسها التي تتمتع بها قوة القدس، من حيث رفع تقاريره مباشرة إلى مكتب المرشد.
ويُعد جعفري واحدا من أكثر الاستراتيجيين مهارة داخل الحرس الثوري. وخلال توليه قيادة الحرس بين عامي 2007 و2019، صمم وأشرف على عملية اللامركزية داخل المؤسسة، وهي استراتيجية زمن الحرب التي يستخدمها الحرس حالياً في مواجهته مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
وبعد عام 2007، دفع باتجاه إنشاء قوات للحرس الثوري على مستوى المحافظات استعدادا لتهديدين رئيسيين: الحرب الخارجية والاضطرابات الداخلية.
وفي عهده، وسّع الحرس الثوري بشكل كبير قدراته العسكرية والأمنية. وساهم جعفري في إنشاء جهاز استخبارات الحرس الثوري، وأسس القيادة السيبرانية للحرس، وعزز قدراته في الحرب غير المتكافئة ضد الولايات المتحدة. كما لعب دوراً محورياً في قمع الاحتجاجات الشعبية.
وفي عام 2019، أنشأ جعفري مقر “بقية الله” بوصفه الذراع الاجتماعية والثقافية للحرس الثوري، وكان هدفه تنظيم وتدريب وحشد القاعدة الداعمة الصغيرة، لكنها متشددة، للنظام في مختلف أنحاء إيران.
وتمحورت هذه الاستراتيجية حول ما يسميه الحرس الثوري “الحلقة الوسطى”، وهي شبكة من الشباب المتشددين.
وكان مخطط جعفري يهدف إلى إنشاء 800 ألف مجموعة صغيرة تضم نحو 4 ملايين عضو في أحياء إيران خلال 5 سنوات.
وقد جرى تدريب هذه المجموعات على تنفيذ عمليات ثقافية وسياسية تتراوح بين الرقابة الأيديولوجية والدعاية والتأثير في النتائج السياسية.
ومنذ عام 2019، استُخدمت “الحلقة الوسطى” أيضا في هندسة الانتخابات. وفي الواقع، فإن جهاز “الحلقة الوسطى” هو الأداة التي مكّنت جعفري من ترسيخ نفوذ قوي بين الأجيال الثالثة والرابعة من الحرس الثوري والباسيج، وهي الأجيال الأصغر سناً والأكثر التزاماً أيديولوجياً، وهي بالضبط القاعدة التي يحتاجها وحيدي اليوم.
ومثل جعفري، من المرجح أن يحمل وحيدي، وهو من المتشددين الأيديولوجيين “النقاة”، نظرة سلبية تجاه قاليباف بسبب اتهامات الفساد التي أضرت بصورة الحرس الثوري نفسه بوصفه قوة إسلامية أيديولوجية.
ومن ثم، يبدو أن تحالفاً قائماً على المصالح والأيديولوجيا والنفوذ قد جمع بين وحيدي وجعفري داخل الحرس الثوري. فوحيدي يحتاج إلى جعفري لتعبئة “الحلقة الوسطى” والأجيال الشابة من الحرس والباسيج بهدف بناء قاعدة نفوذ شخصية، بينما يستخدم جعفري وحيدي لتهميش خصومه، مثل قاليباف.
وقد يبدأ هذا التحالف بين جعفري ووحيدي أيضا في إعادة تشكيل بنية الحرس الثوري وكوادره وأساليبه. فكلا الرجلين يمثلان رؤية أيديولوجية متشددة داخل الحرس، تنظر إلى السياسة والمجتمع والمنطقة من منظور ديني – أمني صارم. وإذا نجح تحالفهما، فإنه سيمنح نفوذاً أكبر للأجنحة الشابة والأكثر تشدداً داخل الحرس والباسيج، وهي أجنحة أكثر انضباطاً أيديولوجياً وأقل ارتباطاً بالسياسات البيروقراطية التقليدية لطهران.
وسيؤدي ذلك إلى تعميق تحول النظام من دولة دينية يحميها الحرس الثوري إلى دولة أمنية – دينية يهيمن عليها الحرس الثوري نفسه، وستكون النتائج خطيرة.
ففي الداخل، من المرجح أن تصبح طهران أكثر قمعاً، أما في الخارج، فإن الحرس الذي يتولى السلطة السياسية بالكامل سيكون أكثر عدوانية، إذ سيرى في المواجهة مع أعداء إيران لغة طبيعية للسلطة، لا مخاطرة يجب تجنبها.
وإذا نجا النظام وتحالف وحيدي – جعفري من الحرب، فستصبح هذه التداعيات واضحة للغاية، خصوصاً بعد خروج بيبي وترامب من السلطة.






