من دولة كبرى واجهت تحديات أمنية واقتصادية معقدة إلى مشروعات عملاقة وتحولات في البنية التحتية والطاقة والسياسة الخارجية.. رحلة لا تزال تكتب فصولها، بينما يبقى السؤال الأهم: كيف نحافظ على ما تحقق؟
قبل أكثر من عقد، لم تكن مصر تواجه تحديًا سياسيًا داخليًا فحسب، بل كانت تتحرك وسط واحدة من أكثر الفترات اضطرابًا في تاريخ الشرق الأوسط الحديث.
المنطقة كانت تعيش موجة من الصراعات والانقسامات، وشهدت بعض الدول انهيارًا في مؤسساتها واندلاع نزاعات مسلحة تركت آثارًا عميقة على الأمن والاقتصاد والمجتمع ككل.
وفي خضم هذا المشهد، جاءت ثورة 30 يونيو 2013 لتفتح مرحلة جديدة في تاريخ الدولة المصرية.
وبينما تختلف الرؤى السياسية حول تقييم تلك الأحداث، فإن ما أعقبها شكّل تحولًا واسعًا في أولويات الدولة، وأصرت الدولة بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي على استعادة الاستقرار، ومكافحة الإرهاب، وإعادة بناء البنية التحتية، وتنفيذ برنامج اقتصادي قوي وإطلاق مشروعات قومية على نطاق واسع.
لم يكن الطريق سهلًا، فالتحديات لم تكن أمنية فقط، بل امتدت إلى الاقتصاد والطاقة والخدمات العامة، وهي ملفات تطلبت استثمارات ضخمة وإصلاحات هيكلية على مدار سنوات عديدة.
معركة على جبهتين.. الأمن والتنمية
من أبرز سمات المرحلة التالية لعام 2013 أن الدولة خاضت معركة في مسارين بآنٍ واحد، مواجهة الجماعات المسلحة، خاصة في شمال سيناء، مع استمرار تنفيذ مشروعات تنموية بمختلف المحافظات.
ويرى محللون أن هذا النهج استند إلى فكرة أن الاستقرار لا يتحقق بالإجراءات الأمنية وحدها، وإنما أيضًا عبر تحسين البنية الأساسية، وتوفير الخدمات، وخلق فرص اقتصادية تقلل من عوامل الهشاشة.
وفي الوقت نفسه، شهدت سيناء مشروعات للبنية التحتية والربط عبر الأنفاق والطرق، بالتوازي مع العمليات الأمنية، في محاولة لدمج التنمية مع استعادة الأمن.
البنية التحتية.. رهان طويل الأجل
ومن خلال السنوات الماضية، توسعت مصر في إنشاء الطرق والكباري والمحاور، وتطوير الموانئ، وإنشاء مدن جديدة، ضمن خطط تهدف إلى تحسين الربط بين المحافظات، وتوسيع الرقعة العمرانية، واستيعاب النمو السكاني.
وتشير تقارير للبنك الدولي إلى أن الاستثمار في البنية التحتية يمثل عنصرًا مهمًا في دعم النمو الاقتصادي وتحسين بيئة الاستثمار، مع التأكيد على أهمية استكمال الإصلاحات المؤسسية وتعزيز كفاءة الإنفاق لتحقيق أكبر عائد اقتصادي.
الطاقة.. من معالجة النقص إلى تنويع المصادر
كما شهد قطاع الكهرباء في مصر تحولًا كبيرًا، من الاهتمام البالغ لتحديث الشبكات مرورا الي زيادة القدرات الإنتاجية، وصولا الي التوسع في الطاقة المتجددة.
ويبرز مجمع بنبان للطاقة الشمسية في أسوان كأحد أكبر مشروعات الطاقة الشمسية في العالم، وأشادت به مؤسسات دولية كنموذج للتوسع في الطاقة النظيفة وجذب العديد من الاستثمارات الكبرى في هذا القطاع.
كما دعمت اكتشافات الغاز الطبيعي وتطوير البنية التحتية للطاقة قدرة مصر على تعزيز أمنها في مجال الطاقة.
الإصلاح الاقتصادي.. نتائج وتحديات
نفذت مصر برنامجًا للإصلاح الاقتصادي بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، تضمن إجراءات مثل تحرير سعر الصرف وإصلاحات مالية وهيكلية.
وأشارت تقارير صندوق النقد الدولي في مراحل مختلفة إلى تحسن بعض المؤشرات الاقتصادية، مثل معدلات النمو واحتياطيات النقد الأجنبي، لكنها لفتت أيضًا إلى استمرار تحديات تتعلق بالتضخم، وارتفاع تكلفة المعيشة، وضرورة توسيع شبكات الحماية الاجتماعية للفئات الأكثر احتياجًا.
الإنسان أولًا
وإلى جانب المشروعات الكبرى، توسعت الدولة في برامج الحماية الاجتماعية، مثل تكافل وكرامة، كما أطلقت مبادرات صحية واسعة للكشف المبكر عن الأمراض وتحسين الخدمات الطبية، وهي خطوات تتماشى مع توجهات دولية تؤكد أن التنمية المستدامة لا تقاس بالنمو الاقتصادي فقط، بل أيضًا بتحسين جودة الحياة للمواطن ومن هنا برز اهتمام الدولة بالإنسان وجعله في أولوياتها.
المتحف المصري الكبير.. رسالة حضارية للعالم
في قلب الجيزة، يقف المتحف المصري الكبير باعتباره أحد أكبر المشروعات الثقافية في العالم، ليس كمتحف للآثار فقط، بل كأداة للقوة الناعمة المصرية، تعكس عمق الحضارة وتدعم قطاع السياحة الذي يمثل أحد روافد الاقتصاد الوطني.
السياسة الخارجية.. التوازن وسط الأزمات
في بيئة إقليمية معقدة، انتهجت مصر سياسة خارجية تقوم على تنويع العلاقات والشراكات، والمشاركة في جهود الوساطة في عدد من الملفات الإقليمية، مع التركيز على حماية الأمن القومي والدفاع عن المصالح الوطنية.
ويرى مراقبون أن هذا النهج أسهم في الحفاظ على حضور مصر في القضايا الإقليمية، وسط مشهد دولي سريع التغير.
المعركة التي لم تنتهِ
قد تنجح الدول في تشييد المدن، ومد الطرق، وبناء محطات الكهرباء، واستصلاح الأراضي، لكن التاريخ يثبت أن الإنجاز الحقيقي لا يقف عند حدود البناء، بل يبدأ من القدرة على الحفاظ على ما تحقق.
فلا توجد دولة قوية دون مواطن واعٍ، ولا تنمية مستدامة دون تعليم جيد، ولا اقتصاد قادر على المنافسة دون علم وبحث وابتكار وإنتاج، وحماية مقدرات الوطن لا تبدأ من مؤسسات الدولة وحدها، بل من كل بيت ومدرسة وجامعة ومصنع ومزرعة ومكتب. تبدأ عندما يصبح احترام القانون ثقافة، والحفاظ على الممتلكات العامة سلوكًا، والعمل بإتقان قيمة، والرجوع إلى المعلومات الموثقة عادة، ورفض الشائعات مسؤولية.
إن مستقبل مصر لن تصنعه المشروعات وحدها، بل سيصنعه الإنسان المصري، بعلمه، وعمله، وإبداعه، وقدرته على المشاركة الإيجابية في بناء وطنه، فالتنمية ليست محطة وصول، بل رحلة مستمرة، والحفاظ على ما تحقق مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع، حتى تبقى مصر قادرة على مواجهة التحديات، وصناعة مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا.
اقرأ أيضاً«30 يونيو».. ملحمة شعب أنقذت الدولة وأعادت الهوية الوطنية









