ليس كل ما يُقدم للقارئ في صورة تحليل سياسي يجب أن يُؤخذ باعتباره حقيقة مكتملة، فالكلمة حين تخرج من قلم كاتب معروف لا تكتسب حصانة من النقد ولا تتحول التوقعات إلى وقائع لمجرد أنها صيغت بلغة واثقة ومصطلحات كبيرة، لأننا أصبحنا فى زمن تتزاحم فيه الأزمات من حول مصر، وتتحول المنطقة إلى ساحة مفتوحة على الاحتمالات ليصبح للكلمة الإعلامية وزن يفوق أحياناً وزن الحدث نفسه، فالكلمة قد تشرح للناس ما يجري وقد تحذرهم من الخطر وقد تفتح أمامهم أبواب الفهم، لكنها في المقابل قد تفعل شيئاً آخر أكثر خطورة أن تصنع من الاحتمال حقيقة ومن المخاوف واقعاً ومن القلق العام حالة تبدو وكأنها قدر محتوم.
ومن هنا يأتي الجدل حول بعض ما يكتبه الكاتب عماد الدين أديب، خصوصاً عندما يكرر في مقالاته وتصريحاته مفردات من قبيل الخطر والتوتر والتصعيد واحتمالات الانفلات، بما قد يترك لدى القارئ انطباعاً بأن مصر تقف على حافة حالة من عدم الاستقرار الداخلي.
فيجب علينا أن ننظر فى كل ما يكتبه عماد الدين أديب، لا باعتباره حقيقة مقدسة لا تُناقش وإنما باعتباره خطاباً سياسياً وإعلامياً من حق القارئ أن يتوقف أمامه وأن يسأل هل نحن أمام قراءة دقيقة للواقع أم أمام مبالغة في رسم صورة قاتمة للمستقبل؟ فالمشكلة هنا ليست في أن يحذر الكاتب من المخاطر فهذا حقه وواجبه المهني ولا في أن يختلف مع السياسات القائمة، وإنما في الانتقال من قراءة المخاطر المحيطة بالدولة إلى الإيحاء بأن هذه المخاطر تعني بالضرورة وجود اضطراب داخلي وشيك، فهناك فارق كبير بين دولة تواجه تحديات إقليمية واقتصادية وسياسية وبين دولة تعيش بالفعل حالة من عدم الاستقرار.. .إذاً ليس الاعتراض على أن يحذر الكاتب من المخاطر فمن حق أي صحفي أو محلل أن يختلف وأن ينتقد وأن يتوقع الأسوأ، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول لغة التحذير إلى إيحاء دائم بأن الدولة تقف على حافة الانهيار أو أن عدم الاستقرار الداخلي بات سيناريو قريباً من دون تقديم أدلة تتناسب مع ضخامة هذا الاستنتاج.
ومصر كغيرها من دول المنطقة تواجه بالفعل بيئة إقليمية شديدة التعقيد، لكن وجود أزمات وحروب وصراعات حولها لا يعني تلقائياً أن الداخل المصري يعيش الحالة نفسها بل إن الحكم على استقرار أي دولة ينبغي أن يستند إلى مؤشرات ووقائع يمكن قياسها، لا إلى ارتفاع نبرة الخطاب الإعلامي أو كثرة السيناريوهات السوداوية، كما تواجه تحديات حقيقية ولا أحد يستطيع إنكار ذلك، هناك ضغوط اقتصادية وتوترات إقليمية وحروب مشتعلة في محيطها وتغيرات دولية متسارعة، لكن الاعتراف بوجود هذه التحديات شيء وتحويلها إلى دليل على أن الداخل المصري يعيش حالة من الفوضى، أو يتجه حتماً إليها شيء آخر تماماً، فالدولة التي تواجه الخطر ليست بالضرورة دولة غير مستقرة، وهذه نقطة يبدو أن بعض الخطابات الإعلامية تتجاوزها عمداً أو سهواً، فوجود تهديدات خارجية لا يعني انهيار الجبهة الداخلية ووجود أزمات اقتصادية لا يعني بالضرورة انفجاراً اجتماعياً ووجود اختلافات سياسية لا يعني أن الدولة فقدت قدرتها على إدارة شؤونها.
السياسة ليست فن إطلاق التوقعات وإنما فن التمييز بين ما حدث وما يمكن أن يحدث وما نريد للناس أن يعتقدوا أنه سيحدث، وهنا يصبح السؤال مشروعاً هل بعض التحليلات تحاول تفسير الواقع أم أنها أحياناً تصنع حالة نفسية لدى المتلقي تجاه هذا الواقع؟ فالكاتب يستطيع من خلال اختيار العناوين والمفردات وطريقة ترتيب الأحداث أن يجعل القارئ يرى نصف الكوب فارغاً أو نصفه ممتلئاً، ويمكن للمبالغة في الحديث عن الأخطار المتراكمة أن تُنتج شعوراً بأن الانفجار قريب حتى لو لم تكن هناك أدلة كافية على ذلك، فعندما يقرأ عنواناً شديد اللهجة أو تحليلاً يتحدث بثقة عن سيناريوهات خطيرة يجب ألا يسأل فقط ماذا يقول الكاتب بل عليه أن يسأل أيضاً ما دليله وما مصادره وما الذي يؤكد هذا السيناريو؟ وما الذي قد ينفيه فالتحليل الحقيقي لا يكتفي بجمع الأخبار التي تؤيد وجهة نظره ثم بناء قصة كاملة منها التحليل الحقيقي يبحث أيضاً عن الوقائع التي تناقض توقعاته ويضع الاحتمالات المختلفة أمام القارئ ويترك مساحة للعقل كي يحكم.. من حق القارئ أن يسأل عن مصادر التحليل وأساس التوقعات والجهة المستفيدة من تقديم صورة معينة للمشهد وأن يرفض تحويل التكهنات إلى حقائق لأن الأخطر من ذلك وقوع بعض الخطابات السياسية في فخ النبوءة التي تصنع نفسها بنفسها تكرار الحديث عن أزمة محتملة ثم التعامل مع القلق الذي أحدثه هذا الحديث باعتباره دليلاً على وجود الأزمة، وهكذا تتحول الكلمات من محاولة لقراءة الواقع إلى عامل يؤثر في نظرة الناس إليه.
إن مصر ليست فوق النقد وليست فوق الأزمات ولا ينبغي لأحد أن يطلب من الإعلام أن يجمّل الواقع أو يخفي المشكلات، لكن النقد الجاد له شروطه أرقام وقائع مصادر مقارنات وقراءة متوازنة للاتجاهات، أما إطلاق الأحكام الكبيرة ورسم سيناريوهات مضطربة ثم تقديمها للقارئ وكأنها حقائق مؤكدة فليس تحليلاً بقدر ما هو صناعة للانطباع.
أما أن نأخذ كل أزمة إقليمية وكل حادثة وكل تصريح ثم نضعها في صف واحد لنخرج منها بصورة تقول إن الانفجار قادم، فهذه ليست بالضرورة قراءة سياسية قد تكون مجرد هندسة للخوف، فهناك من ينجذب إلى العنوان الذي يقول إن القادم أسوأ وإلى المقال الذي يتنبأ بالأيام السوداء وإلى المحلل الذي يتحدث بنبرة العارف بما وراء الستار، وكلما ارتفعت حدة التوقع ارتفع الاهتمام به، وهنا يتحول الخطر إلى مادة إعلامية وتصبح المبالغة جزءاً من صناعة التأثير، لكن الأخطر من ذلك أن يتكرر هذا الخطاب إلى درجة يبدأ معها الناس في التعامل مع التوقع باعتباره واقعاً حقيقياً، فالكاتب المحترف لا يُقاس بقدرته على تخويف القارئ وإنما بقدرته على تمييز الخطر الحقيقي من الاحتمال والاحتمال من الوهم والوقائع من الانطباعات، فيقال إن هناك حالة من عدم الاستقرار فيبدأ الناس في البحث عن مظاهرها، ويقال إن هناك غضباً مكتوماً فيصبح كل نقاش عادي دليلاً عليه، ويقال إن الأزمة قادمة فيصبح كل ارتفاع في الأسعار أو كل خبر سلبي برهاناً على اقترابها، وهكذا تصبح الكلمة هي التي تبحث عن دليل يؤيدها بدلاً من أن تكون الوقائع هي التي تقود إلى الكلمة.
قد نختلف مع عماد الدين أديب، في رؤيته وقد نرى أن بعض كتاباته تميل إلى تضخيم المخاطر أو قراءة المشهد من زاوية شديدة التشاؤم، فالكاتب لا يملك الواقع وإنما يملك روايته عنه، والفرق بين الأمرين كبير.. .ياعم عماد: مصر ليست مقالاً وليست نشرة أخبار وليست مجموعة من السيناريوهات التي يكتبها هذا المحلل أو ذاك، مصر مجتمع ودولة ومؤسسات وملايين البشر لها مشكلاتها وقدرتها على الاحتمال ولها أخطاؤها ونجاحاتها ولها تاريخ طويل في التعامل مع الأزمات، ومن الظلم اختزال هذا كله في صورة قاتمة يرسمها قلم أو في سيناريو متشائم يكرر عبر الشاشات.. .نعم هناك مشكلات يجب الاعتراف بها نعم، هناك أخطاء يجب نقدها.. .نعم هناك ضغوط اقتصادية وإقليمية لا يجوز الاستهانة بها.
لكن النقد لا يعني التشكيك والتحذير لا يعني التهويل والتوقع لا يعني الحقيقة، وهذه الحدود الثلاثة هي التي ينبغي أن تحكم الخطاب السياسي والإعلامي، فإذا كان الكاتب يرى أن مصر مقبلة على حالة من عدم الاستقرار فليقدم الأدلة وليحدد المؤشرات وليشرح لماذا يعتقد ذلك، وما احتمالات تحقق السيناريو، وما البدائل الممكنة.. .أما إطلاق العبارات الكبيرة وترك القارئ أمام شعور غامض بالخطر فهذا لا يساعد الناس على فهم بلدهم بل يزيد من ارتباكهم، لأن مصر واقع أكبر من كل الكتابات واستقرارها لا يُقاس بدرجة القلق التي تصنعها المقالات، وإنما بما يجري على الأرض.. .نحن لا نرفض التحذير ولكننا نرفض أن يتحول التحذير إلى صناعة للخوف.
ونحن لا نرفض النقد ولكننا نرفض أن تتحول التوقعات إلى حقائق، ولا نرفض الاختلاف ولكننا نرفض أن يُطلب من المواطن أن يصدق السيناريو قبل أن يرى الدليل، فمصر قد تواجه أياماً صعبة كما واجهت من قبل وقد ترتكب أخطاء كما ترتكب كل الدول، لكنها ليست رهينة لمقال ولا أسيرة لتوقع ولا محكومة بحكاية يكتبها قلم مهما كان صاحبه مشهوراً، فالحقيقة على الأرض أقوى من كل العناوين، ووعي المصريين أكبر من أن يُصنع بالخوف وأعمق من أن يُختزل في مقال.
خالد مصطفى: ربنا بعت لنا الرئيس السيسي في 2013 لينقذ البلد من الظلام









