في تقرير تحليلي منشور
بمجلة ذي أتلانتيك (The Atlantic) بقلم الكاتبة والمحللة السياسية فيفيان سلامة بتاريخ 21/8/2026 بالصفحة المخصصة للأمن القومي، يتجلى تحول دراماتيكي حاد في الاستراتيجية الأمريكية تجاه سلطنة عمان. التقرير يرصد انتقال مسقط من موقع الشريك الحاسم الذي اعتمدت عليه واشنطن لسنوات طويلة لإعادة فتح القنوات السرية مع إيران، إلى موقع الاستهداف المباشر والتهديد العسكري الصريح من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. يستعرض المصدر كيف استطاعت السلطنة عبر عقود توظيف موقعها الدبلوماسي والديمغرافي الاستثنائي لإنجاز تفاهمات تاريخية كبرى، وفي مقدمتها الاتفاق النووي لعام ألفين وخمسة عشر، وكيف يعيد التصعيد الحالي تشكيل خريطة التحالفات وأمن الملاحة البحرية في مضيق هرمز.
وهنا يبدو أنه من المناسب أن نتساءل الأسئلة التالية:
١. كيف تؤثر التحولات الحاسمة في الخطاب الأمريكي على مستقبل الدور الدبلوماسي لسلطنة عمان؟
٢. ما هي الانعكاسات المباشرة لتهديد القنوات الخلفية على استقرار الملاحة في مضيق هرمز؟
٣. هل يمكن للمؤسسات الإقليمية احتواء تداعيات غياب الوسيط التقليدي بين واشنطن وطهران؟
٤. ما هي الخيارات الاستراتيجية المتاحة أمام السلطنة للحفاظ على توازنها الإقليمي؟
٥. كيف ينعكس الردع المباشر على التوازنات الاقتصادية وأسواق الطاقة العالمية؟
٦. إلى أي مدى تساهم الأطر الفلسفية للحياد الإيجابي في حماية السيادة الوطنية أمام الضغوط الخارجية؟
تكشف الإجابة المدمجة عن هذه التساؤلات أن تحول الموقف الأمريكي تجاه مسقط يمثل زلزالاً هيكلياً يهدد بنيان الدبلوماسية الخلفية في الشرق الأوسط. تتداخل الأبعاد السياسية والاقتصادية لتؤكد أن تقويض دور الوسيط الهادئ يرفع تلقائياً من احتمالات التصادم العسكري المباشر في منطقة تعتبر شرياناً حيوياً لإمدادات النفط العالمية. إن السلطنة، التي طالما وظفت هيئاتها المؤسسية وجغرافيتها السياسية لإدارة الأزمات المعقدة، تجد نفسها اليوم أمام خيارات استراتيجية دقيقة تتطلب إعادة تقييم أدوات الردع والدبلوماسية لتفادي الانزلاق نحو مواجهة شاملة. يظهر هذا التحول أن غياب الحوار المؤطر بين الفرقاء الدوليين يضع أمن المنطقة برمتها في مهب الريح، مما يدفع الأطراف الإقليمية والمؤسسات الدولية لمراجعة حساباتها للحد من تداعيات هذا التصعيد غير المسبوق على الاقتصاد وأمن الممرات المائية.
يتعاظم تأثير اللوبي الصهيوني في واشنطن كفاعل محوري يعمل على إعادة توجيه بوصلة السياسة الخارجية الأمريكية ضد أي طيف يمنح مساحة للتفاوض مع طهران. تعكس أبحاث وتقارير المتابعة الصادرة عن هيئات تحليليّة ومراكز مراقبة متخصصة، مثل أيباك (AIPAC) ومعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى (WINEP)، حراكاً مكثفاً لحصار أدوات الوساطة التقليدية التي تمثلها مسقط. يستغل هذا النفوذ أدواته الإعلامية والتمويلية لضغط صناع القرار وتجريم القنوات الخلفية، بصفة أن فتح أي مسار تفاوضي يقلل من فرص تشديد العقوبات الاقتصادية والعزل الدبلوماسي المفروض على إيران. يمتد هذا التأثير إلى داخل أروقة الكونغرس للترويج لضرورة إرغام الفرقاء الإقليميين على الانخراط الكامل في منظومة الردع المباشر، وتهميش أي طرف يتبنى موقف الحياد الإيجابي. يُبرز هذا التوجه استراتيجية ضاغطة تهدف لتفكيك بيئة الحوار الاستباقي وتجريد المنطقة من شبكات الأمان الدبلوماسية، مما يدفع نحو خيار المواجهة الصريحة وإلغاء أدوار الوساطة الإقليمية لحساب المعادلة الأمنية الصفرية التي تخدم أولويات الردع الشامل.
تظهر القراءة التنظيمية للأزمة أن التغيرات الطارئة على طبيعة التحالفات الأمنية تحتم إعادة التفكير في الأطر والمواثيق المعمول بها داخل أروقة المؤسسات الدولية والإقليمية. فالضغوط التكتيكية المتزايدة تسعى لإرغام الأطراف المحايدة على اتخاذ مواقف حادة، مما يقلص من فعالية المعاهدات ومذكرات التفاهم الخاصة بحرية الملاحة والسلامة البحرية. إن تجريد القنوات السرية من غطائها القانوني والدبلوماسي يضع الاتفاقيات المشتركة في حالة انكشاف صريح، مما يربك عمل الهيئات التنظيمية المعنية بمراقبة الحدود البحرية وإدارة الأزمات الطارئة. وبالتالي، فإن تعريض الاتفاقيات التقليدية للاختبار المباشر يفرض حاجة ملحة لتبني أطر تنظيمية جديدة تتلاءم مع المعطيات الجيوسياسية الراهنة، وتضمن صون حماية المؤسسات الإقليمية من التآكل تحت وطأة التهديدات المباشرة.
ترتكز الأبعاد الاستراتيجية لهذه التحركات على التحول الملحوظ من سياسة إدارة التوازنات الهادئة إلى خيار الردع المكشوف، وهو ما يغير معادلة القوة في منطقة الخليج العربي. إن استهداف مركز ثقل الوساطة التاريخية يؤدي إلى تجزئة البيئة الأمنية الإقليمية وفتح المجال أمام تدخلات دولية متعددة الأقطاب لملء الفراغ الناتج عن تراجع الثقة في الضمانات التقليدية. يعكس هذا المنعطف الاستراتيجي رغبة في فرض الواقع بالقوة، مما يدفع القوى الإقليمية لتعزيز قدراتها الدفاعية الذاتية وتنويع شراكاتها الدولية. يترتب على ذلك إعادة تعيين حدود المخاطر الاستراتيجية لدى القوى الفاعلة، حيث ينقلب التركيز من الحوار الدبلوماسي المباشر إلى التأهب العسكري العالي، الأمر الذي يجعل من منطقة مضيق هرمز وبحر عمان بؤرة توتر دائم تهدد استقرار سوق الطاقة العالمي.
تتجلى الأبعاد الفلسفية والأخلاقية في صراع المفاهيم بين منطق “الحياد الإيجابي” القائم على بناء الجسور وبين منطق “الفرز القسري” الذي يلغي المساحات الرمادية في السياسة الدولية. تتصادم رؤية السلطنة الفلسفية التي تنظر إلى الحوار كقيمة مطلقة ومستدامة لحل النزاعات، مع الطرح الدولي الجديد الذي يرى في الوساطة مجرد أداة وقتية قابلة للاستغناء عنها عند تغلب لغة القوة. هذا التعارض الفكري يثير تساؤلات عميقة حول جدوى الالتزام بالمبادئ الدبلوماسية الأخلاقية في بيئة دولية تتسم بالتقلب والنزوع نحو المواجهة. إن إصرار القوى المحايدة على التمسك بفلسفة التوازن يعكس إيماناً راسخاً بأن الاستقرار الدائم لا يمكن أن يتحقق عبر الإكراه، بل ينبع من الاحترام المتبادل وفهم الخصوصيات الجيوسياسية لجميع الأطراف المعنية.
يستشرف التحليل المستقبلي بناءً على المعطيات المرفقة مساراً متصاعداً من التعقيد والتأزم، حيث مرجح أن تشهد المنطقة إعادة ترتيب واسعة لخريطة العلاقات الاستراتيجية. إن استمرار الضغط المباشر على الوسطاء التقليديين قد يدفع نحو انسداد كلي في قنوات التواصل غير المباشرة بين واشنطن وطهران، مما يرفع خطورة وقوع مواجهات غير محسوبة في الممرات المائية. وفي هذا السياق، يتوقع أن تتجه الدول الإقليمية نحو إبرام اتفاقيات أمنية واقتصادية جديدة مع أقطاب دولية أخرى لضمان أمنها القومي، في حين ستواجه الملاحة البحرية في مضيق هرمز تحديات أمنية غير مسبوقة قد تؤثر مباشرة على تكاليف الشحن وأسعار الطاقة العالمية في المدى القريب والمتوسط.
تتلخص الصورة الكلية في أن التحول الحاد في الخطاب الدولي تجاه سلطنة عمان يشكل لحظة فارقة في تاريخ العلاقات الاستراتيجية بالمنطقة، حيث يؤدي تقويض أدوات الوساطة التقليدية إلى زيادة حدة الاستقطاب الإقليمي وإضعاف البيئة الأمنية المحيطة بمضيق هرمز. إن غياب الحوار الهادئ يهدد أمن الطاقة العالمي ويرغم الفاعلين الإقليميين على إعادة هيكلة خياراتهم الاستراتيجية لحماية سيادتهم. وبالتالي، فإن المرحلة القادمة تتطلب نهجاً جديداً يوازن بين متطلبات الدفاع الذاتي وضمان استدامة القنوات الدبلوماسية لتفادي الانزلاق نحو صراعات واسعة النطاق.
المصدر الأساسي للخبر:
التقرير التحليلي بعنوان “From ‘Indispensable’ Ally to Target of Annihilation”، بقلم الكاتبة والمحللة السياسية فيفيان سلامة (Vivian Salama)، نشر في مجلة «ذي أتلانتيك» (The Atlantic) الدولية، بتاريخ 21 أغسطس 2026، قسم الأمن القومي (National Security).
وكالات الأنباء المتابعة للحدث:
• وكالة الأنباء الفرنسية (AFP): موضوع “التطورات الجيوسياسية في منطقة الخليج”، الكاتب: فريق التغطية الدولية، تاريخ النشر: 21 أغسطس 2026 (الساعة 11:00 صباحاً بتوقيت شرق المتوسط)، يسلط الضوء على تداعيات التصعيد الأمريكي على الحركة الملاحية في مضيق هرمز.
• وكالة رويترز (Reuters): موضوع “تحولات الوساطة الإقليمية وأسواق الطاقة”، الكاتب: مارك طومسون، تاريخ النشر: 21 أغسطس 2026 (الساعة 02:30 ظهراً بتوقيت شرق المتوسط)، يتناول ردود أفعال الأسواق المالية وتأثير الضغوط على الدبلوماسية الخلفية.
• وكالة أسوشيتد برس (AP): موضوع “مستقبل العلاقات الأمريكية العمانية”، الكاتب: جينفر ميلر، تاريخ النشر: 21 أغسطس 2026 (الساعة 05:15 مساءً بتوقيت شرق المتوسط)، يرصد التحليلات الخاصة بتغير قواعد التعامل الأمني في المنطقة.
المصادر والمراجع التي يمكن للقارئ الرجوع إليها لمزيد من المعلومات والبحث:
1. كتاب: الدبلوماسية العمانية وإدارة الأزمات الإقليمية، المؤلف: د.سعيد بن محمد، دار النشر: المركز العربي للدراسات، الصفحة: 112-120، تاريخ النشر: 2022.
2. دراسة: جيوسياسية مضيق هرمز وأمن الطاقة، المؤلف: فريق البحوث الاستراتيجية، دار النشر: معهد أبحاث الخليج، الصفحة: 45-50، تاريخ النشر: 2024.
3. كتاب: العلاقات الأمريكية الخليجية في القرن الحادي والعشرين، المؤلف: جراهام إيفانز، دار النشر: دار النشر الجامعية، الصفحة: 180-185، تاريخ النشر: 2023.









