مقالات

مرونة الفقه وتجديد الفتوى.. الاحتفال بذكرى المولد نموذجا – الأسبوع


إبراهيم نصر

إبراهيم نصر

إن من أعظم خصائص الشريعة الإسلامية صلاحيتها لكل زمان ومكان، وهي صلاحية نابعة من مرونة أحكامها الفرعية وقابليتها للتجديد والديناميكية الفقهية. غير أن فريقاً من الناس يصر على التمسك بآراء ومواقف قيلت في ظروف زمنية ومكانية مغايرة، متجاهلين القاعدة الأصولية المستقرة بأن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والأحوال والأشخاص والعوائد والمقاصد.

ولم يكن هذا التغيير بدعة في الدين، بل هو النهج الناصع الذي سار عليه الصحابة والتابعون والأئمة الأعلام. فقد أوقف أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه سهم “المؤلفة قلوبهم” من الزكاة لتغير العلة وتغير الواقع وقوة شوكة الإسلام، واختلف القضاء الفقهي لصحابة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – باختلاف المصلحة الزمنية والظروف الحاكمة. كما قام الإمام الشافعي رحمه الله بإعادة صياغة بنيانه الفقهي بالكامل عند انتقاله من بغداد إلى مصر، فأسس “المذهب الجديد” لمراعاة اختلاف البيئة والأعراف والمصالح المحلية المتجددة. بل إن علماء الأصول قدامى ومعاصرين نصوا صراحة على أن “مَن أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف أعرافهم وأزمنتهم وأحوالهم فقد ضل وأضل”.

وأكد الإمام ابن القيم في كتابه ” إعلام الموقعين” أن الشريعة مبناها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وأن الجهل بتغير الفتوى يوقع الأمة في الحرج الشديد والمشقة والتعسير.

وهنا يجب التمييز الدقيق بين ثوابت الدين ومتغيراته، فالثوابت كأصول العقائد والأركان والأخلاق الكلية والأحكام القطعية لا تتغير ولا تتأثر بمرور الزمن والقرون. أما المتغيرات فهي الوسائل الظنية والترتيبات الإدارية والمجتمعية التي تنظم حياة الناس وتحقق منافعهم المرعية وصالحهم العام.

ومن أشد مظاهر الجمود الفكري شناعة ونكارة في عصرنا الحالي: تحريم الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف.

إن هذا التحريم يمثل شططا ظاهرا، وغرابة فكرية، وفهما قاصرا ومشوها لمقاصد الشريعة السمحة، إذ كيف يحرم تعظيم صاحب الرسالة أو يتم تصوير الفرح به كأنه إثم وابتداع؟ إن تزهيد المسلمين في التعبير عن محبتهم لنبيهم – صلى الله عليه وسلم – ووصم بيوتهم ومساجدهم بالبدعة والضلالة لمجرد اجتماعهم على الطاعة وإظهار السرور بمولده، لهو مساس خطير بالوجدان الإيماني وجفاء يقطع الصلة الروحية بين الأمة ونبيها. فالاحتفال ليس اختراعا لعبادة جديدة، بل هو وسيلة جامعة لإحياء السيرة العطرة، وتدارس الأخلاق النبوية، وإطعام الطعام، وصيانة هوية الأجيال ونشر قيم التسامح والرحمة المهداة. والوسائل في الفقه الإسلامي تأخذ أحكام المقاصد، وما كان خيرا ومصلحة راجحة فهو مطلوب شرعا ومستحب وحسن، ومن الشناعة بمكان تضييق ما وسعه الله وتجفيف منابع الفرح المشروع.

ولأن مستجدات العصر الحديث أصبحت أكثر تعقيدا وتشابكا – من معاملات مالية حديثة ونوازل طبية ومعقدات مجتمعية – فإن الاجتهاد الفردي لم يعد كافياً بمفرده لحسم هذه النوازل المستجدة. ومن هنا تبرز الأهمية البالغة والمحورية للمؤسسات الدينية والمجامع الفقهية المعاصرة، فالاجتهاد الجماعي يجمع بين علماء الشريعة وأهل الاختصاص من أطباء واقتصاديين وعلماء اجتماع، للوصول إلى فتوى دقيقة تتكامل فيها معرفة النص الشرعي مع فهم الواقع المعاش بعمق.

إن التجديد الفقهي ليس خروجا عن الدين ولا تنكرا للتراث العظيم، بل هو صيانة لروح الشريعة وحماية لها من الجمود والجفاء والضيق. وستظل المؤسسات الإفتائية والاجتهاد الجماعي الحصن والأمان لتقديم دين حنيف يجمع بين أصالة النص ورحابة المصلحة.

[email protected]

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts