مقالات

عبد الناصر ولومومبا.. الحقيقة الغائبة عن دور مصر في الكونغو

في خضمّ معارك التحرّر الوطني التي اجتاحت إفريقيا خلال ستينيات القرن العشرين، جاء موقف الرئيس جمال عبد الناصر من قضية الكونغو تعبيرًا واضحًا عن رؤية مصر لدورها القومي والدولي في مواجهة الاستعمار الغربي. فمنذ حصول الكونغو على استقلالها عن بلجيكا في 30 يونيو 1960، ساند عبد الناصر نضال الشعب الكونغولي ضد الهيمنة الاستعمارية، واعتبر استقلال الكونغو جزءً لا يتجزأ من معركة إفريقيا الكبرى من أجل الحرية والسيادة.

ارتبط عبد الناصر بعلاقة وثيقة برئيس وزراء الكونغو المنتخب، الزعيم الوطني باتريس لومومبا، الذي تولّى رئاسة الحكومة في يونيو 1960. ولم تقتصر هذه العلاقة على التعاطف السياسي، بل تجسدت في تواصل فعّال عبر السفير المصري في الكونغو مراد غالب، الذي شغل منصب سفير مصر في ليوبولدفيل (كينشاسا لاحقًا) خلال تلك المرحلة، وكان حلقة الوصل الأساسية بين القاهرة والحكومة الكونغولية الشرعية. ومن خلال هذا المسار الدبلوماسي، قدّم عبد الناصر دعمًا سياسيًا صريحًا لحكومة لومومبا، وساند شرعيتها في مواجهة المؤامرات الداخلية والتدخلات الأجنبية التي بدأت فور الاستقلال.

وعلى الصعيد العسكري، شاركت مصر في يوليو 1960 ببعثة عسكرية ضمن قوات الأمم المتحدة في الكونغو، وكان قائدها العقيد آنذاك سعد الدين الشاذلي، كما طلب باتريس لومومبا صراحة من الرئيس جمال عبد الناصر إرسال بعثة عسكرية مصرية لتدريب الجيش الكونغولي، واستجاب عبد الناصر لهذا الطلب في النصف الثاني من عام 1960، فأوفد العميد أحمد إسماعيل—الذي سيصبح لاحقًا المشير أحمد إسماعيل، القائد العام للقوات المسلحة خلال حرب أكتوبر 1973—على رأس مجموعة من ضباط الصاعقة المصريين للمساهمة في تدريب القوات الكونغولية.

غير أنّ هذا الدور المصري لم يَخلُ من تعقيدات داخلية. فقد رفض العقيد سعد الدين الشاذلي التعاون مع السفير مراد غالب ومع العميد أحمد إسماعيل، مؤكدًا أنه يعمل حصريًا تحت راية الأمم المتحدة، وليس ضمن توجيه سياسي أو عسكري مصري مباشر. وتطوّر هذا الخلاف إلى صدام حاد بين الشاذلي وأحمد إسماعيل، انعكست آثاره على أداء البعثة والعلاقات داخلها. وبلغ الأمر حدًّا استدعى تدخّل القيادة السياسية في القاهرة، فأرسل الرئيس جمال عبد الناصر شمس بدران إلى الكونغو في أواخر عام 1960 في محاولة لاحتواء الأزمة وإصلاح ذات البين. غير أنّ هذه المساعي لم تُفلح بالكامل، وظلّت العلاقة بين الشاذلي وأحمد إسماعيل متوترة.

أما اغتيال باتريس لومومبا، فقد شكّل نقطة تحوّل مأساوية في تاريخ الكونغو، وكشف بوضوح حجم التآمر الدولي على استقلالها، فقد جرى اغتياله في 17 يناير 1961، بعد اعتقاله بدعم مباشر من القوى الاستعمارية، وعلى رأسها بلجيكا، وبغطاء دولي معقّد، وفي أعقاب اغتياله، واجهت أسرة لومومبا خطرًا داهمًا، فتدخّل عبد الناصر مجددًا، وأمر بتنفيذ واحدة من أكثر العمليات السياسية- الأمنية جرأة في تلك المرحلة.

وُضعت خطة تهريب أسرة لومومبا إلى مصر مطلع عام 1961، بإشراف السفير مراد غالب من الناحية السياسية، بينما تولّى أحمد إسماعيل تنفيذها من الناحية العسكرية، وقضت الخطة بتهريب الأسرة على متن طائرة متجهة إلى القاهرة، مع الادعاء بأن زوجة لومومبا هي زوجة دبلوماسي مصري يعمل بالسفارة المصرية في الكونغو. وبالفعل، نجحت العملية، ووصلت أسرة لومومبا بسلام إلى مصر، حيث وجدت الحماية والرعاية.

أثار هذا التحرك غضب السلطات الكونغولية الموالية للغرب، فشنّت قواتها هجومًا مسلحًا على السفارة المصرية في كينشاسا خلال فبراير 1961، وقصفتها بالمدفعية في محاولة للانتقام، بل سعت إلى اغتيال السفير مراد غالب نفسه، ما اضطره إلى مغادرة الكونغو حفاظًا على حياته. وردّ الرئيس جمال عبد الناصر على هذه التطورات بحزم سياسي، فأصدر قراره في فبراير 1961 بالاستيلاء على جميع المصالح والشركات البلجيكية في مصر، وقطع العلاقات الدبلوماسية مع بلجيكا، لتعود الأموال والاستثمارات البلجيكية إلى الخزانة المصرية، في خطوة جمعت بين الردّ السياسي الصارم والدفاع عن السيادة والمصالح الوطنية المصرية.

ولم تكن هذه المواقف مجرّد ردود أفعال ظرفية، بل جاءت منسجمة مع رؤية فكرية متكاملة، فقد كان تحرّك عبد الناصر في الكونغو تطبيقًا عمليًا لنظريته عن الدوائر الثلاث لتحرّك السياسة الخارجية المصرية، كما صاغها بوضوح في كتابه «فلسفة الثورة» الصادر عام 1954. إذ رأى أن مصر تتحرّك داخل ثلاث دوائر متداخلة: الدائرة العربية، ثم الدائرة الإفريقية، ثم الدائرة الإسلامية، وأن أمنها القومي لا ينفصل عن محيطها الإفريقي الذي ظلّ لعقود ساحة مفتوحة للنفوذ الاستعماري. ومن هذا المنطلق، لم تكن إفريقيا ساحة بعيدة عن القاهرة، بل امتدادًا طبيعيًا لمعركة الاستقلال الوطني المصري نفسه.

الادعاء بأن جمال عبد الناصر أرسل الجيش المصري ليحارب في الكونغو غير صحيح على الإطلاق، عبد الناصر لم يخض حربًا هناك، ولم يزجّ بالقوات المصرية في أي صراع استعماري، بل كان هدفه حماية استقلال الكونغو. فقد أرسل بعثة عسكرية محدودة بناءً على طلب مباشر من لومومبا لتدريب الجيش الكونغولي، وأنقذ أسرة الزعيم المغدور من خطر داهم، وعندما اغتالت بلجيكا لومومبا وهاجمت السفارة المصرية، اتخذ عبد الناصر قرارات استراتيجية لخدمة قضية التحرّر الإفريقي وفي الوقت نفسه لحماية المصالح المصرية، عبر استرداد الشركات والأموال والاستثمارات البلجيكية إلى خزانة الدولة. وبذلك يظهر الفرق الواضح بين من يستخدم القوة لفرض الهيمنة، ومن يوجّهها بحكمة للدفاع عن الحرية والاستقلال.

اقرأ أيضاًاختطاف مادورو.. قصة فنزويلا مع البلطجة الأمريكية

حين تحمّلت مصر أكثر مما تحتمل.. شهادة زهير الشايب عن الوحدة مع سوريا

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts