مقالات

كيف نفهم النص النبوي الشريف «4» – الأسبوع

إن النصوص الشرعية من أقسام القرائن التي يُستدل بها على معنى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم. ونقصد بالنصوص الشرعية كل النصوص التي لها علاقة مؤثرة في معنى النص الذي يراد بيان معناه، سواء كانت هذه العلاقة قريبة أم بعيدة، فتشمل آيات القرآن الكريم، وروايات الحديث، والأحاديث الأخرى، وما يلحق بذلك من المعاني المعلومة من الدين بالضرورة التي بُنيت في الأساس على نصوص من الكتاب والسُّنة، ذلك أن النصوص الشرعية نصوص متكاملة، يصدق بعضها بعضًا، ويبين بعضها ما أُجمل في الآخر، ويفسر بعضها ما أُشكل في غيره.

وفهم الحديث النبوي في ضوء هذه النصوص، مطلب أساسي مسلَّم به في منهج المعرفة، ذلك أن النظر في مسألة من المسائل العلمية – بقصد تحقيقها، أو شرحها وتفسيرها، أو معرفة خصائصها، أو فحصها، ومعرفة صحتها من عدمها – لا يكفي فيه الاقتصار على النظر في المسألة بذاتها، والتأمل فيها وفي جزئياتها المتصلة بها، بل لا بد أن يُضم إليها أمور أخرى تتوقف عليها سلامة النتائج المستخرجة.

هذه الأمور تُعرف من خلال النظر الواسع في النصوص، والقراءة الجامعة التي تضع الجزئيات في إطار الكليات، وتُلحق الفروع بأصولها، يقول الإمام الشاطبي: “فلا محيص للمتفهم عن رد آخر الكلام على أوله، وأوله على آخره، وإذ ذاك يحصل مقصود الشارع في فهم المكلف، فإن فرّق النظر في أجزائه فلا يتوصل به إلى مراده، فلا يصح الاقتصار في النظر على بعض أجزاء الكلام دون بعض.. .”

وهذا المنهج هو منهج الراسخين من العلماء، وتؤخذ الشريعة كالصورة الواحدة، بحسب ما ثبت من كلياتها وجزئيتها المرتبة عليها، وعامها المرتب على خاصها، ومطلقها المحمول على مقيَّدها، ومجملها المفسَّر بمبينها، إلى ما سوى ذلك من مناحيها.

وكلما كان استحضار هذه الجزئيات أشمل، كان فهم مراد المتكلم من كلامه أدق، والعكس بالعكس، يقول الشاطبي رحمه الله تعالى: «وإذا فات نقل بعض القرائن الدالة، فات فهم الكلام جملةً أو فهم شيء منه».

لقد كان هذا المنهج التكاملي في فهم الحديث حاضرًا عند الصحابة رضي الله عنهم، فقد وظَّفوا مجموع ما تلقوه عن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في فهم كل قول من أقواله، وفي تفسير كل فعل من أفعاله صلى الله عليه وسلم.

وتتجلى نتائج هذا المنهج في ممارساتهم وتطبيقاتهم العملية، نرى هذا الفهم في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما رجع من الأحزاب: لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة، فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلي لم يُرد منا ذلك، فذكر ذلك للنبي صلي الله عليه وسلم، فلم يعنف واحدًا منهم، فالصحابة الذين صلوا قبل أن يصلوا إلى بني قريظة نظروا خارج النص، فى ضوء نصوص أخرى تحث على الصلاة فى وقتها.

إن شاء الله نستكمل الحديث فى هذه القضية، إن كان فى العمر بقية.

اقرأ أيضًامدير أوقاف بني سويف يلقي محاضرة علمية حول مكانة السنة النبوية بالمركز الثقافي

نص موضوع خطبة الجمعة المقبلة نوفمبر 2025 بعنوان «كن جميلاً ترَ الوجودَ جميلاً»

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts