مقالات

ردا على مزاعم سفير أمريكا بإسرائيل “الحق التوراتي”من النيل إلى الفرات – الأسبوع

التصريح الذي ذكره سفير أمريكا بإسرائيل حول “الحق التوراتي” في الأرض من النيل إلى الفرات يعكس بوضوح فكر الصهيونية المسيحية، وهو فكر يقوم على قراءة حرفية وانتقائية لنصوص العهد القديم، متجاهلًا اكتمال الإعلان الإلهي في العهد الجديد كما تفهمه الكنيسة عبر تاريخها.

النص الذي يُستشهد به هو ما ورد في سفر التكوين: “لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات” (تكوين 15: 18). غير أن هذا الوعد – بحسب الفهم الكنسي – كان وعدًا تاريخيًا مشروطًا، مرتبطًا بالطاعة والعهد.وسفر التثنية نفسه يقول: “يقلعك الرب من الأرض…” (تثنية 28: 63) إن خالف الشعب الوصية. أي أن الأرض لم تكن امتيازًا أبديًا غير قابل للمراجعة، بل جزءًا من خطة زمنية محددة.

العهد الجديد نقل المفهوم من الجغرافيا إلى الإيمان. السيد يسوع المسيح قال: “مملكتي ليست من هذا العالم” (يوحنا 18: 36)، رافضًا تحويل الملكوت إلى مشروع سياسي. كما قال عن أورشليم: “هوذا بيتكم يُترك لكم خرابًا” (متى 23: 38)، في إعلان واضح أن مرحلة الهيكل كمركز ديني سياسي قد انتهت. ورسالة غلاطية تؤكد: “ليس يهودي ولا يوناني… لأنكم جميعًا واحد”، ما يعني أن الانتماء صار إيمانيًا لا عرقيًا.

الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في مصر كانت حاسمة في هذا الشأن. قداسة البابا شنودة الثالث الراحل أكد مرارًا أن وعود العهد القديم قد تحققت روحيًا في المسيح، وأن “الشعب المختار” بعد التجسد ليس جماعة عرقية، بل كل من يؤمن بالله إيمانًا حقيقيًا. وكان يقول بوضوح إن مملكة الله ليست أرضًا تُحتل ولا حدودًا تُرسم، بل ملكوت روحي في القلوب. كما رفض توظيف الكتاب المقدس لتبرير احتلال أو توسع سياسي، معتبرًا أن هذا خلط خطير بين الإيمان والصراع الجغرافي.

وفي السياق نفسه، شدد قداسة البابا تواضروس الثاني في عظاته وتعليمه الكنسي على أن فهم “الأرض” في الكتاب المقدس يجب أن يكون في إطار العلاقة الروحية بين الإنسان والله، لا في إطار خرائط سياسية. وأكد أن رسالة المسيح جمعت البشرية كلها في إيمان واحد، وأن الكنيسة لا تؤمن بأي تفسير يجعل من النصوص المقدسة أداة لتبرير صراع أو هيمنة.

الموقف الكنسي ثابت: الملكوت ليس جغرافيًا، والوعود لا تُقرأ خارج سياقها الخلاصي.

من هنا، فإن ربط عودة المسيح أو تحقيق النبوءات بتوسع جغرافي معين هو انحراف لاهوتي قبل أن يكون موقفًا سياسيًا. تحويل نص تاريخي إلى برنامج استراتيجي معاصر يتجاهل اكتمال الإعلان في العهد الجديد، ويتغافل عن أن المسيحية ألغت مفهوم الامتياز العرقي لصالح شمولية الخلاص.

الكنيسة المصرية، بتاريخها الممتد منذ القرن الأول، لم تنجرّ يومًا خلف هذا التفسير الحرفي، بل تمسكت بفهم روحي عميق يرفض تسييس العقيدة. وموقفها ليس عداءً لأحد، بل دفاع عن نقاء الإيمان.

فالمسيح لم يؤسس دولة، ولم يرسم حدودًا، ولم يمنح قداسة لخرائط. الإيمان المسيحي لا يُقام بالبندقية، ولا يُثبت بالنصوص المقتطعة، بل بالحق والمحبة والسلام.

اقرأ أيضاً«أسد يهوذا».. البعد الديني في استهداف إسرائيل لإيران؟

الإرهاب الصهيوني.. محاولة للتفكيك

الإرهاب الصهيوني.. محاولة للتفكيك

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts