ليست كل صورة راسخة في الوعي الجمعي حقيقة تاريخية، فبعض الصور تُصنع في لحظات الانكسار، وتُضخَّم في أزمنة الصراع، ثم تتحول مع الوقت إلى مسلَّمات لا تُمس.
ومن بين أكثر الصور حضورًا في الخطاب السياسي العربي المعاصر صورة عبد الحميد الثاني بوصفه «السلطان المظلوم»، الحاكم الذي تصدى للمؤامرات، ورفض بيع فلسطين، ودفع ثمن مواقفه عزلاً وتشويهًا.
غير أن التاريخ لا يُكتب بالعواطف، ولا يُفهم بالشعارات، بل يُقرأ في ضوء الوقائع والنتائج.
والسؤال الجوهري ليس: ماذا قيل عن عبد الحميد الثاني؟ بل: ماذا حدث في عهده؟
ما الذي جرى للإمبراطورية العثمانية خلال ثلاثة وثلاثين عامًا من حكمه؟ وكيف تعامل مع أخطر التحديات التي واجهت دولته؟
عندما تولّى السلطان عبد الحميد الثاني الحكم في 31 أغسطس 1876، لم يكن يقف على رأس إمبراطورية مزدهرة، بل كان وريثًا لكيان إمبراطوري يترنح تحت وطأة الإفلاس المالي، والضغط الأوروبي، والتفكك الداخلي، والتناقضات القومية والدينية التي أصبحت تهدد وجود الدولة نفسها.
كانت الدولة العثمانية قد أعلنت إفلاسها عام 1875، وخضعت عمليًا للوصاية المالية الأوروبية، وأصبحت جزءًا من النظام الإمبريالي العالمي الذي يفرض شروطه على الدول الضعيفة دون الحاجة إلى احتلال مباشر في كل الحالات.
لكن التاريخ لا يحاسب الحكام على حجم الأزمات التي ورثوها فقط، بل على كيفية إدارتهم لها. وهنا تتبدى مأساة عبد الحميد الثاني: لم يكن رجل إصلاح جذري ولا قائد مقاومة تاريخية، بل كان حاكمًا سلطويًا رأى في بقاء العرش أولوية مطلقة تفوق الدفاع عن الولايات أو الشعوب الخاضعة لسلطته.
منذ اللحظة الأولى، ركّز على بناء دولة مركزية بوليسية تعتمد على شبكة واسعة من الجواسيس والرقابة والقمع السياسي، بدلًا من مشروع إصلاحي عسكري واقتصادي قادر على مواجهة أوروبا الحديثة.
لنرصد معًا ماذا فعل عبد الحميد الثاني في بعض التحديات التي واجهته:
كيف تعامل مع أطماع اليهود في فلسطين؟
وما موقفه حين سقطت تونس تحت نفوذ فرنسا؟
وكيف واجه وقوع مصر في قبضة بريطانيا؟
وما خلفيات رغبته في فصل سيناء عن مصر؟
إنها أسئلة نطرحها لنستنطق وثائق التاريخ ونقارب ما جرى بعيون الأرقام والشواهد.
قبل عهد عبد الحميد الثاني، كانت الهجرة اليهودية إلى فلسطين محدودة نسبيًا ومتركزة في المدن الدينية الأربع: القدس، وصفد، وطبريا، والخليل.
كان عدد اليهود في أواخر سبعينيات القرن التاسع عشر يُقدّر بين عشرين وخمسة وعشرين ألف نسمة، ومعظمهم من اليهود الذين جاؤوا لأسباب دينية وروحية دون مشروع سياسي استيطاني واضح.
لكن عام 1882، أي بعد ست سنوات فقط من تولي عبد الحميد الثاني الحكم، شهدت فلسطين بداية الموجة الكبرى الأولى للهجرة اليهودية الحديثة من أوروبا الشرقية، مدفوعة بتصاعد وتيرة اضطهاد وقمع اليهود في روسيا القيصرية وأوروبا، وبصعود القومية اليهودية الحديثة.
لم تكن هذه الهجرة مجرد انتقال أفراد، بل كانت حركة منظمة مرتبطة بشبكات تمويل أوروبية ومؤسسات سياسية وثقافية تسعى إلى إنشاء مجتمع استيطاني حديث.
في هذه الفترة، تأسست مستعمرات زراعية حديثة مثل ريشون لتسيون، زخرون يعقوب، روش بينا، وبتاح تكفا، لتشكل النواة الأولى للمشروع الصهيوني الاستيطاني الحديث الذي سيقود لاحقًا إلى إقامة دولة إسرائيل.
ومع نهاية القرن التاسع عشر، ظهر تيودور هرتزل بوصفه مؤسس الصهيونية السياسية الحديثة.
في كتابه الشهير «الدولة اليهودية» الصادر عام 1896، صاغ هرتزل المشروع الصهيوني في إطار قومي سياسي حديث، واعتبر فلسطين الهدف المركزي، رغم طرحه مؤقتًا بدائل تكتيكية مثل الأرجنتين وأوغندا.
سعى هرتزل إلى كسب اعتراف القوى الكبرى، وكان يرى في السلطنة العثمانية العقبة القانونية الرئيسية أمام الاستيطان المنظم. زار هرتزل إسطنبول عدة مرات بين 1896 و1902، والتقى بالسلطان عبد الحميد الثاني.
تشير مذكرات هرتزل ومراسلاته إلى أنه عرض على عبد الحميد الثاني خطة مالية ضخمة لإنقاذ الدولة العثمانية من أزمتها الاقتصادية عبر منحها أموالًا لسداد الديون العثمانية وتمويل مشاريع تحديث اقتصادية، مقابل منح اليهود امتيازات استيطانية واسعة في فلسطين تحت السيادة العثمانية.
رفض عبد الحميد الثاني رسميًا هذا العرض، وأطلق عبارته الشهيرة بأنه لا يستطيع بيع شبر من أرض فلسطين لأنها ملك الأمة الإسلامية.
تحولت هذه العبارة لاحقًا إلى أسطورة سياسية جرى توظيفها في خطاب تيار الإسلام السياسي، بينما الواقع العملي كان يسير في اتجاه مختلف تمامًا.
ففي الوقت الذي رفض فيه عبد الحميد الصفقة السياسية الكبرى، كان المشروع الصهيوني يتقدم عمليًا عبر المال الأوروبي الخاص، وعلى رأسه تمويل البارون إدموند دي روتشيلد.
لعب روتشيلد دورًا حاسمًا في شراء الأراضي، وتمويل المستعمرات، وبناء البنية التحتية الزراعية، وتوظيف خبراء أوروبيين، وتحويل الاستيطان من مبادرات فردية إلى مشروع استعماري اقتصادي منظم.
وبفضل نظام الامتيازات الأجنبية، كان اليهود الأوروبيون يتمتعون بحماية قانونية قنصلية تجعلهم خارج نطاق القضاء العثماني المحلي، وهو ما سهّل عمليات شراء الأراضي عبر وسطاء محليين أو مسؤولين فاسدين.
أصدر عبد الحميد الثاني أوامر متكررة بتقييد الهجرة اليهودية وبيع الأراضي عام 1882 ثم عام 1892 ثم عام 1901، لكن هذه القرارات بقيت حبرًا على ورق بسبب ضعف الإدارة المحلية، وانتشار الرشوة، والحماية القنصلية، وغياب الإرادة السياسية المركزية لفرض القوانين بالقوة.
وبحلول عام 1900، كان اليهود في فلسطين قد امتلكوا مئات آلاف الدونمات من الأراضي الزراعية الخصبة في السهل الساحلي والجليل، وارتفع عددهم قبيل خلع عبد الحميد الثاني عام 1909 إلى نحو ثمانين ألف نسمة، أي تضاعف ثلاث مرات تقريبًا مقارنة ببداية حكمه.
هكذا يتضح أن عبد الحميد الثاني كان جزءًا من البيئة السياسية والإدارية التي سمحت للمشروع الصهيوني بالنمو.
رفض عبد الحميد الثاني المعلن لمساعدة هرتزل لم يمنع ولادة المشروع، بل تزامن مع توسّعه الواقعي تحت مظلة العجز العثماني.
في تونس، التي كانت ولاية عثمانية اسمًا، فرضت فرنسا الحماية الكاملة عام 1881 عبر معاهدة باردو، ثم ثبّتت السيطرة باتفاق المرسى عام 1883.
ورغم أن الدولة العثمانية كانت تملك حق التدخل العسكري والسياسي، فإن عبد الحميد الثاني اختار سياسة الاحتجاج الدبلوماسي الشكلي دون مواجهة حقيقية، خوفًا من انهيار مالي أو حرب لا يمكن تمويلها.
وهكذا فُقدت تونس بالكامل خلال عهده دون مقاومة عثمانية جدية، لتتحول الإمبراطورية إلى متفرج على تفكك ولاياتها.
وفي مصر، تجلت سياسة عبد الحميد الثاني في أكثر صورها وضوحًا.
عندما اندلعت الثورة العرابية ضد سياسات الخديوي توفيق والتدخل الأوروبي في الاقتصاد المصري والتمييز بين الضباط الشراكسة والضباط المصريين، كان يمكن للسلطان أن يرى فيها فرصة لإنقاذ مصر من المطامع الأوروبية، لكنه رأى فيها تهديدًا خطيرًا لنموذج السلطنة المركزي، وخشي من انتقال نموذج التمرد العسكري إلى ولايات أخرى.
في عام 1882، أعلن عبد الحميد الثاني أن أحمد عرابي عاصٍ، وأكد شرعية الخديوي توفيق، ما وفر لبريطانيا غطاءً سياسيًا وقانونيًا للتدخل العسكري.
قُصفت الإسكندرية في يوليو 1882، وهُزمت القوات المصرية في معركة التل الكبير في 13 سبتمبر 1882، ليبدأ الاحتلال البريطاني الذي استمر فعليًا حتى عام 1956.
لم يكن عبد الحميد الثاني مجرد متفرج على الاحتلال، بل كان شريكًا سياسيًا غير مباشر في إجهاض محاولة استقلال مصر.
بل إن السلطان عبد الحميد حاول استغلال الاحتلال البريطاني لمصر لإعادة رسم الحدود المصرية لإخراج سيناء من الإدارة المصرية وإلحاقها المباشر بالسلطنة.
في عام 1906، تجلت أزمة طابا كأحد أبرز فصول الصراع على شبه جزيرة سيناء، حين حاولت الدولة العثمانية تعزيز وجودها الإداري والعسكري في نقاط مثل طابا، ما أثار توترًا دبلوماسيًا مع بريطانيا التي كانت تحتل مصر.
لم يكن الأمر مجرد نزاع حدودي تقليدي، بل جاء في سياق أوسع يسعى فيه العثمانيون لإعادة ترسيم الحدود وربط سيناء مباشرة بالولايات العثمانية في الحجاز وبلاد الشام، بما يعني عمليًا انتزاعها من مصر.
بلغ التوتر ذروته حين رفضت السلطات العثمانية الانسحاب من نقاطها، فاضطرت بريطانيا إلى التدخل وإنهاء الأزمة عبر لجنة لترسيم الحدود، وهو ما أسفر عن اتفاقية 1 أكتوبر 1906 التي رسمت خط الحدود بين رفح وطابا.
تكشف هذه الحادثة أن عبد الحميد الثاني كان يحاول التلاعب بالجغرافيا المصرية لتحقيق أطماعه، وتكشف هذه الوقائع نمطًا واضحًا في حكمه: التراجع المستمر أمام الأوروبيين بدلًا من مواجهتهم، والتضحية بالولايات مقابل استقرار العرش، وتحويل الإمبراطورية إلى جهاز قمعي ضخم بدلًا من تبني مشروع تحديث حضاري.
السلطان عبد الحميد الثاني لم يبع فلسطين لهرتزل، لكنه سمح لروتشيلد أن يشتريها قطعةً قطعة.
لم يحتل مصر، لكنه خان ثورتها الوطنية ومهّد الطريق للاحتلال.
لم ينقذ تونس وتركها لفرنسا دون مقاومة. ولم يستطع فصل سيناء، لكنه حاول التلاعب بها إداريًا لتحقيق مكاسب مركزية.
لا يمكن قراءة تجربة عبد الحميد إلا بوصفها نموذجًا صارخًا لحاكم قدّم بقاء السلطة على بقاء الدولة، وفضّل أمن العرش على أمن الجغرافيا التي حكمها.
المشكلة لم تكن في أنه واجه ظروفًا صعبة — فكل الحكام يواجهون أزمات — بل في أنه اختار أسوأ الاستجابات الممكنة: القمع بدل الإصلاح، المناورة بدل المواجهة، والتكيّف مع الهيمنة الأوروبية بدل محاولة كسرها.
والنتيجة أن عهده لم يوقف التدهور، بل زاد منه، حتى خرجت الإمبراطورية من زمنه أكثر ضعفًا وتفككًا مما دخلت إليه.
الأخطر من الرجل نفسه هو الأسطورة التي صُنعت حوله.
فقد قام تيار الإسلام السياسي بتحويله إلى أيقونة خيالية لـ «الخلافة المقاومة»، هذه الصناعة الدعائية لم تكن بريئة، بل جاءت لخدمة خطاب أيديولوجي يحتاج إلى بطل تاريخي يتكئ عليه، حتى لو كان ذلك على حساب الحقيقة.
وهكذا لم تُزيف صورة عبد الحميد فقط، بل زُيّف وعي أجيال كاملة، قُدّم لها الوهم بدل التاريخ، والشعار بدل التحليل.
إن تقديس الحاكم الفاشل لا يصنع مجدًا، بل يرسّخ ثقافة الهروب من المسؤولية. والتاريخ، مهما طال تزويره، لا يرحم، ومن خسر الأرض والسيادة والنفوذ لا يمكن اعتباره منقذًا.
عبد الحميد الثاني لم يكن حامي الأمة الإسلامية، بل أحد وجوه زمن سقوطها، وسياساته أسهمت في تحويل العالم العربي إلى مسرح للهيمنة الأوروبية والصهيونية.
أما تحويله إلى أسطورة فليس إلا استمرارًا للهزيمة في الوعي بعد أن حدثت في الواقع.
التاريخ لا يُقاس بالشعارات ولا بالخطابات، بل بالنتائج الملموسة.
_________
المراجع
– د.فدوى نصيرات، دور السلطان عبد الحميد الثاني في السيطرة الصهيونية على فلسطين (1876- 1909).
– نجيب عازوري، يقظة الأمة العربية.
– السلطان عبد الحميد الثاني، مذكراتي السياسية، ترجمة: د.محمد حرب.
– تيودور هرتزل، يوميات هرتزل، ترجمة: هيلدا شعبان صايغ وأنيس صايغ.
– صلاح عيسى، الثورة العرابية.
– جان غانياج وعبد الجليل بوقرة، جذور الحماية الفرنسية في تونس.
– د.يونان لبيب رزق، الأصول التاريخية لمسألة طابا — دراسة وثائقية.
اقرأ أيضاًسجناء سايكس بيكو
“دماء على كرسي الخلافة”.. بمعرض القاهرة الدولي للكتاب
بعد 20 عامًا.. كتاب يكشف حقيقة المحتال حافظ نجيب وقصص الجاسوسية وحِرفة التنكر
