أثار مسلسل «صحاب الأرض» هجومًا لافتًا في الإعلام الإسرائيلي، ليس فقط بوصفه عملًا دراميًا عربيًا، بل باعتباره خطابًا ثقافيًا يعيد طرح السردية الفلسطينية في لحظة سياسية شديدة الحساسية إقليميًا، وبعد حرب وحشية قامت بها سلطات الاحتلال الإسرائيلي على شعب بأطفاله وشيوخه ونسائه، وبعد مجازر وتدمير دام لأكثر من عامين للبشر والحجر على مرأى العالم كله.
وأمام هذا العجز الدولي لوقف نزيف الدم في غزة والمساعي المصرية الدؤوبة للحد من التوحش وإيقاف الحرب كان للدراما المصرية دورًا لدعم القضية الفلسطينية وترسيخ الحق الفلسطيني، فقد جاء مسلسل «صحاب الأرض» ردًا على أية محاولات صهيونية لتصفية القضية الفلسطينية وتهويد الأرض العربية.
لم يكن المسلسل مجرد عمل درامي عابر في نظر وسائل الإعلام الإسرائيلية، بل تحوّل إلى مادة نقاش سياسي وإعلامي عكست حساسية عميقة تجاه أي إنتاج عربي يعيد تقديم الرواية الفلسطينية بوصفها سردية مركزية، لا هامشية.
وقد وصفت عدة منصات إخبارية إسرائيلية، من بينها «هآرتس ويديعوت أحرونوت» العمل بأنه «أداة تحريض» وأن العمل تم تناوله من زاوية تأثيره المحتمل على الرأي العام العربي، وخصوصًا الشباب.
وركزت التحليلات الإخبارية على أن المسلسل يعيد إحياء خطاب الأرض والهوية، ويقدّم الفلسطيني باعتباره صاحب حق تاريخي غير قابل للتصرف، وهو ما اعتبرته بعض الأقلام الإسرائيلية «تعزيزًا لخطاب المواجهة» في لحظة إقليمية مشتعلة.
اللافت أن الانتقادات لم تركز فقط على مضمون الأحداث، بل على الرمزية البصرية: مفاتيح البيوت القديمة، مشاهد التهجير، والخطاب المرتبط بالذاكرة الجماعية، وهي عناصر رأت فيها، بعض التحليلات الإسرائيلية، محاولة «لإعادة تعبئة الوعي العربي».
في تغطيات تحليلية على منصات مثل «تايمز أوف إسرائيل» برز توصيف المسلسل ضمن إطار «القوة العربية الناعمة» وهي القوة التي تسعى مصر جاهدة لاستعادتها الآن خاصةً مع استعادة دورها المحوري الدولي والإقليمي.
الإعلام الإسرائيلي يدرك جيدًا أن المعركة لم تعد عسكرية فقط، بل هي معركة وعي بالدرجة الأولى، وبالتالي هي ثقافية أيضًا، ومن هنا، جاء التركيز على أن الدراما العربية – بخلاف البيانات السياسية – تمتلك قدرة أعمق على التأثير الوجداني.
وقد حذرت بعض التحليلات الصهيونية من أن هذه الأعمال «تطبع الرواية الفلسطينية في الوعي الجمعي الإقليمي» خصوصًا إذا حظيت بانتشار واسع عبر المنصات الرقمية وحققت مشاهدات عالية ورد فعل شعبي واسع، وهو ما حدث بالفعل فور عرض المسلسل.
كما هاجمت هيئة البث الإسرائيلية، التي تعتبر الصوت الأول للكيان الإسرائيلي، المسلسل حتى قبل عرضه في رمضان، حيث خصصت فقرة ضمن برنامج «أخبار الليلة» بتاريخ 12 فبراير 2026 لمناقشة العمل، وانتقدت الطرح الدرامي للمسلسل، معتبرة أن العرض يُظهر الحرب في غزة بمنظور «أحادي الجانب» ويتجنّب تصوير إسرائيل بصورة إيجابية، مما يشير إلى أن هذا التصريح يمكن اعتباره من أوضح ردود الفعل المبكرة للتحضير للرأي العام الإسرائيلي قبل عرض المسلسل على المشاهدين في مصر والعالم العربي، وأضافت هيئة البث ضمن هجومها على المسلسل أن العمل يضم ممثلين فلسطينيين مثل الفنان «آدم بكري» ابن المخرج الفلسطيني «محمد بكري» و«كامل الباشا وعصام السقا وتارا عبود» وبمشاركة ممثلين من مصر والأردن مثل الفنانة «منة شلبي» والفنان «إياد نصار» ما اعتُبر ذات دلالة رمزية تتجاوز الفن إلى السياسة.
بينما نشرت صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية تحليلات في منتصف فبراير 2026، حيث اعتبرت إنتاج «صحاب الأرض» وترويجه «خطوة سياسية محسوبة» وليس عملاً فنّيًا محايدًا، وقد ركزت الصحيفة على أن المسلسل جزء من موسم الدراما الرمضانية المصري، وهو الموسم الأعلى مشاهدة للمسلسلات في مصر، بل أنه قد يكون من بين أكثر الأعمال متابعة في العالم العربي.
أما القناة «12» الإسرائيلية فقد شنت هجومًا شديدًا على «صحاب الأرض» مؤكدة أن الإنتاج المصري للمسلسل ومشاهدته في مصر والعالم العربي يثير قلقًا واضحًا داخل الأوساط الإسرائيلية، بزعم أنه يُظهر الجنود الإسرائيليين يتعاملون بعنف مع المدنيين الفلسطينيين، واستشهدت بعرض مقتطفات من العمل عبر شاشتها بهدف دعم هذا النقد، مضيفة أن مصر أنفقت ملايين الدولارات على العمل بهدف التأثير الدرامي في الرأي العام.
ورغم الانتقادات، لم يكن الخطاب الإعلامي موحدًا، فبينما ركزت بعض المقالات على فكرة «التحريض» كان هناك جدلاً واسعًا حيث ظهرت قراءات أكثر برجماتية رأت أن هذه الأعمال تعكس واقعًا سياسيًا لم يُحلّ منذ عقود، وأن تجاهل البعد الثقافي للصراع يزيد من فجوة الفهم المتبادل، والوصول إلى طرق للتعامل مع الحدث.
هذا الانقسام يعكس جدلًا أوسع داخل إسرائيل نفسها حول كيفية التعامل مع الرواية الفلسطينية المصرية، هل بالمواجهة الإعلامية، أم بمحاولة إنتاج سردية مضادة أكثر إقناعًا؟ فبينما تسعى «إسرائيل» جاهدة استثمار جهودها في الدبلوماسية وتحسين صورتها إعلاميًا بعد كل هذه التظاهرات التي اجتاحت العالم ضدها، فهي تعتبر أي عمل درامي عربي قوي يعيد طرح القضية الفلسطينية ومأساة الشعب الفلسطيني منذ النكبة مرورًا بالتجويع والتهجير، مما يعد تحديًا كبيرًا لهذه الجهود، وإدراك «إسرائيلي» عميق لخطورة التأثير الثقافي مقارنة بالخطاب السياسي المباشر.
هذا الهجوم الحاد من الإعلام الصهيوني على المسلسل المصري «صحاب الأرض» يظهر مدى الهوس الإسرائيلي بأي عمل يفضح الانتهاكات الصهيونية ويكشف عن الوجه القبيح لجيش الاحتلال ويرسخ للحق الفلسطيني ويعبر عن معاناة هذا الشعب ومدى صموده، فجاء رد الفعل الإسرائيلي على العمل متزامنًا مع تصاعد التوترات في المنطقة بعد الحرب على غزة، وفي ظل توثيق المسلسل لأحداث ما بعد 7 أكتوبر 2023، ما زاد حساسية الجدل داخل المجتمع الإسرائيلي.
تزامن عرض المسلسل العربي الذي أنتجته «الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية» مع توتر إقليمي شديد وتصاعد الخطاب الإعلامي المتكرر حول قضايا الأرض والحدود والهوية، والخطط الصهيونية لضم أرض غزة والضفة الغربية لسلطة الاحتلال، وقد وصف الإعلام الإسرائيلي توقيت عرض المسلسل بأنه «غير بريء سياسيًا» معتبرًا أن الدراما ليست منفصلة عن السياق الجيوسياسي والصراع الحالي، بل أنها جزء منه.
يكشف رد فعل الإعلام الإسرائيلي على مسلسل «صحاب الأرض» أمرين أساسيين، أولهما، إدراك عميق لخطورة التأثير الثقافي مقارنة بالخطاب السياسي المباشر، ثانيهما، الحساسية المتزايدة للكيان المحتل تجاه إعادة إحياء القضية الفلسطينية وتسليط الضوء على الحق التاريخي للفلسطينيين في الأرض، وفضح الانتهاكات التي تقوم بها سلطات الاحتلال، وما يعانيه الشعب الفلسطيني في كل مناحي الحياة، بل من أجل البقاء على قيد الحياة.
في النهاية تجدر الإشارة إلى حالة «الانتشاء» التي يشعر بها الشعب المصري لكون إنتاج هذا العمل الكبير «صحاب الأرض» إنتاجًا مصريًا خالصًا ومخلصًا لقضية العرب الرئيسية، بل القضية الإنسانية الأولى التي تمس ضمير العالم، وأن هذا المسلسل يعد رسالة حقيقية صادقة نقلت مأساة الشعب الفلسطيني لكل مشاهد وكأنه يعيش في قلب الحدث.
اقرأ أيضاًمؤلف «صحاب الأرض»: أشكر الشركة المتحدة على الدعم وحرية عرض مختلف جوانب القضية الفلسطينية
رئيس قسم الإعلام بجامعة الخليل: مسلسل «صحاب الأرض» يخوض معركة السرديات
قوات الاحتلال تقصف مستشفى الوديان.. مسلسل صحاب الأرض الحلقة 7
