محمد حسب الله الكفراوي
محمد حسب الله الكفراوي
في دهاليز السياسة الدولية، يُقال إن الكلمة هي الرصاصة التي لا يمكن استردادها، وبالإسقاط على تصريحات السفير الأمريكي الجديد لدى إسرائيل، نجد أننا أمام تجسيد حي للمثل الشعبي المصري: «اللي يحضر العفريت وما يعرف يصرفه»، فإطلاق الوعود أو التصريحات الأيديولوجية الحادة في منطقة بجموح الشرق الأوسط، هو بمثابة استدعاء لقوى وتوترات ميدانية وسياسية قد لا تملك واشنطن نفسها أدوات السيطرة عليها لاحقاً.
فعندما تخرج تصريحات دبلوماسية تضرب عرض الحائط بالثوابت التاريخية أو «حل الدولتين»، فإنها تُحضر «عفاريت» التصعيد الميداني وغياب الأمل. هذا النوع من الخطاب يُعطي الضوء الأخضر لسياسات أحادية الجانب، مما يضع المنطقة على فوهة بركان، ويجعل من مهام الدبلوماسيين التقليديين مستحيلة في «صرف» آثار هذا الاحتقان الذي تسببت فيه كلمات غير مدروسة، كذلك التعامل مع حلفاء استراتيجيين في المنطقة (مثل مصر والأردن ودول الخليج) بمنطق الفرض أو المفاجأة عبر تصريحات «تُطلق على عواهنها» يعكس نوعاً من الرعونة السياسية، فالحليف الإقليمي ليس مجرد «منفذ» للسياسات، بل هو شريك يحتاج إلى لغة تتسم بالرصانة والوضوح، ولذا فالتصريحات المندفعة تحرج هؤلاء الحلفاء أمام شعوبهم وتضعف من قدراتهم على المناورة السياسية لصالح الاستقرار، وفي ضوء ما هو واضح ان السياسة الامريكية تعتمد على دبلوماسية الشلة التي تغيب فيها الرقابة المؤسسية، فالأمر في هذه المرحلة الدقيقة في حاجة ماسة لـ تجديد الرقابة الصارمة على من يتحدثون باسم الدبلوماسية في قضايا الشرق الأوسط.
إن ترك المنصات الرسمية لأفراد يغلبون الأيديولوجيا الشخصية على المصالح الاستراتيجية العليا يُعد خللاً مؤسسياً يستوجب ضرورة الفلترة يجب ألا تترك التصريحات لتقديرات شخصية، بل لا بد أن تمر بمراجعة دقيقة لمدى تأثيرها على أمن واستقرار المنطقة.. فالاستقرار أهم من الاستعراض.
إن الدبلوماسية الناجحة هي التي تبني الجسور بصمت، وليس التي تهدمها بضجيج التصريحات الصدامية.
إن الاستمرار في نهج «التصريحات المنفلتة» لن يؤدي إلا إلى تعميق فجوة الثقة بين واشنطن وعواصم المنطقة.
فمن يحضر «عفاريت» الفوضى بتصريحاته، يجب أن يدرك أن تكلفة «صرفها» قد تكون باهظة جداً، وقد تدفع ثمنها أجيال كاملة من شعوب المنطقة ومصالح القوى الدولية على حد سواء.










