مقالات

ماذا وراء لقاء السيسي ورئيس مجموعة البنك الدولي؟ – الأسبوع

ما دلالة لقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي برئيس مجموعة البنك الدولي، أجاي بانجا؟ ما علاقته بأجواء التصعيد العسكري المتفاقم بين الولايات المتحدة وإسرائيل من ناحية، وإيران من ناحية أخرى؟ هل تتحرك مصر لتثبيت مسار الإصلاح المالي فقط، أم تسعى في الوقت ذاته إلى تحصين اقتصادها من تداعيات حرب يتسع نطاقها وتهدد أسواق الطاقة والملاحة والاستثمار؟ ثم ما قدرة الاقتصاد المصري على الصمود أمام تطورات إقليمية متلاحقة تتداخل فيها القواعد العسكرية مع مضيق هرمز وانعكاسه على أسعار الطاقة؟.

لا أدّعي التخصص في الاقتصاد، لكن أحاول تتبع العلاقة بين التمويل الدولي والمخاطر الجيوسياسية، ورصد كيف تتأثر برامج الإصلاح، وقناة السويس، وشبكات الحماية الاجتماعية، وحتى ملف استضافة الملايين من الوافدين، بالتطورات الدرامية في الشرق الأوسط. أتوقف أمام أرقام الشراكة بين مصر ومجموعة البنك الدولي، وضغوط الطاقة، والأهم سيناريوهات المستقبل المحتملة، في محاولة لمعرفة كيف تدير مصر توازنًا دقيقًا بين ضرورات الاستقرار الداخلي ومتغيرات إقليمية تبدو أكبر من الجميع.

بحكم توصيف أجاي بانجا، رئيس مجموعة البنك الدولي، فالمسمى ذو دلالة مؤسسية واسعة. رجل الأعمال والاقتصادي الأمريكي من أصول هندية يقود منظومة مالية دولية تضم عدة مؤسسات تعمل معًا تحت مظلة «مجموعة البنك الدولي»، تشمل البنك الدولي للإنشاء والتعمير، والمؤسسة الدولية للتنمية، ومؤسسة التمويل الدولية، والوكالة الدولية لضمان الاستثمار، فضلًا عن المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار.

يتولى «بانجا» الإشراف الاستراتيجي على توجهات التمويل والإقراض، ويقود التفاوض مع الحكومات بشأن برامج الإصلاح والسياسات الاقتصادية، ويعرض خطط المؤسسة أمام مجلس المحافظين ومجلس المديرين التنفيذيين. كما يحدد أولويات التدخل القطاعي، سواء في الحماية الاجتماعية أو البنية التحتية أو التحول الأخضر، ويمثل المجموعة في المحافل الدولية المعنية بالتنمية والديون وتمويل المناخ.

كانت هذه المقدمة ضرورية للوقوف على زيارة «بانجا» (الذي تولّى مهامه في يونيو 2023) إلى القاهرة، وكيف تكتسب ـ بحكم منصبه الاقتصادي والسياسي معًا ـ أهمية كبيرة، خاصة أن قرارات التمويل التي تعتمدها المجموعة تؤثر مباشرة في الموازنات والأسواق المالية للدول النامية، ومن بينها مصر. لا ينفصل اللقاء عن التفاهمات حول حجم التمويل، وشروطه، ومجالاته، وسرعة صرفه، خاصة في فترات الأزمات الإقليمية أو الضغوط على العملات وأسواق الطاقة. ولا يمكن إغفال الخلفية التي جاء منها «بانجا» وتأثيرها على توجهاته التي تعزز دور القطاع الخاص وتمويل المناخ والشراكات الاستثمارية.

أعرف أن الاقتصاد، رغم أهميته، «صعب الهضم» على غير المختصين. تبسيطًا، يمكن القول إن المتابع لمسار علاقة مصر بمجموعة البنك الدولي منذ صيف عام 2014 يدرك أنها شهدت تطورًا واضحًا، مدعومًا بإطار الشراكة الاستراتيجية للسنوات المالية 2015- 2019، وجرى خلال هذه الفترة التركيز على دعم إصلاحات اقتصادية كبرى بعد سلسلة أزمات، وبادر البنك بالمساهمة في تمويل برامج رئيسية، شملت هيكلة دعم الطاقة، وتحسين الاستقرار المالي، وتعزيز القطاع الخاص، مع التزام بزيادة الإقراض إلى نحو 8 مليارات دولار خلال الفترة نفسها، شهدت تلك المرحلة توافقًا بين القاهرة ومجموعة البنك الدولي على تحسين الحوكمة والشفافية في قطاعات الطاقة والنقل، كما دعم البنك مشروعات بنية تحتية وخدمات أساسية ساعدت مصر في مواجهة تحديات اقتصادية، وتحقيق نمو اقتصادي مع تقليل العجز المالي.

عبر إطار الشراكة الممتد خلال الفترة من 2019 إلى 2023، زاد حجم المحفظة النشطة للبنك الدولي، وجرى التركيز على إصلاحات هيكلية، مكافحة جائحة كورونا (كوفيد 19)، تعزيز الحماية الاجتماعية، بالتزامن مع تمويل مشروعات كبرى كالتوسع في برنامج «تكافل وكرامة» للحماية الاجتماعية، دعم نظام التأمين الصحي الشامل، بالإضافة إلى إصلاحات في التعليم والصحة، وبلغ إجمالي الالتزامات التراكمية منذ 2014 حتى عام 2023، أكثر من 25 مليار دولار (175 مشروعًا)، مع التركيز على خلق فرص عمل في القطاع الخاص وتحسين القدرة على الصمود أمام الصدمات.

ومنذ صيف 2023 وحتى مارس الجاري، يحكم علاقة مصر ومجموعة البنك الدولي إطار الشراكة الجديد للسنوات المالية 2023- 2027 بقيمة 7 مليارات دولار (نحو مليار دولار سنويًا من البنك الدولي للإنشاء والتعمير، و2 مليار دولار من مؤسسة التمويل الدولية). يركز الإطار على النمو الشامل المقاوم للمناخ، أي نمو اقتصادي متواصل لا يضر بالبيئة ولا يزيد الفقر، عبر خلق فرص عمل في القطاع الخاص، وتحسين رأس المال البشري، وتعزيز الصمود.تشمل المحفظة النشطة حاليًا 13 مشروعًا بأكثر من 6.5 مليار دولار، مع دعم مشروعات مثل تمويل سياسات التنمية (500 مليون دولار في 2024) وبرامج الصحة والتعليم. كما ساهم البنك في تحقيق نتائج ملموسة، منها دعم 17 مليون شخص عبر برامج الحماية الاجتماعية وخلق مئات الآلاف من الوظائف، ليتجاوز الإجمالي التراكمي 27.5 مليار دولار عبر 201 مشروع.

تمويل المناخ يمثل محورًا متزايد الأهمية في الشراكة بين مصر والبنك الدولي. يقدم البنك قروضًا منخفضة الفائدة لمشروعات الطاقة المتجددة، وإدارة الموارد المائية، ومكافحة التصحر. ترتبط هذه المبادرات بتقليل المخاطر البيئية وتأمين مصادر الطاقة المستقبلية، بما يربط الاستدامة الاقتصادية بالتحولات المناخية العالمية، ويمنح مصر أدوات للتكيف مع الأزمات الإقليمية. أدوات التمويل متنوعة، وتشمل قروض سياسات التنمية، ودعم القطاع الخاص عبر مؤسسة التمويل الدولية، ومنحًا تقنية لتطوير القدرات. توفر هذه الأدوات للحكومة المصرية مرونة في تخصيص الموارد وفق الأولويات، سواء لتعزيز النمو الاقتصادي أو لدعم البرامج الاجتماعية، وتساهم في تقليل الاعتماد على التمويل الطارئ في أوقات الأزمات.

السؤال الذي يطرح نفسه عليَّ وعليك وعلى كل من يقرأ ما سبق: كيف تكون مجموعة البنك الدولي (ونظيراتها) حريصة على مصالح مصر وشعبها، في حين أن التمويل المرتبطة بإصلاحات قد تضر نسبيًا بمصالح فئات عدة، لا سيما الطبقتين الفقيرة والمتوسطة؟ هذه نقطة شديدة الأهمية، سؤال مهم ومشروع لا يمكن تجاوزه، خاصة أن الإصلاحات الاقتصادية التي يدعمها البنك الدولي (تخفيض دعم الطاقة تدريجيًا، تعويم الجنيه المصري، زيادة الضرائب غير المباشرة) غالبًا ما تكون لها آثار سلبية قصيرة الأجل، تبدأ بزيادة أسعار الوقود والكهرباء والسلع الأساسية، ما يرفع معدلات التضخم ويقلل القوة الشرائية، ويُفاقم الضغط على الطبقة الوسطى في ظل محدودية قدرتها على تحمل التكاليف.

المؤكد أن البنك الدولي لا يقدّم نفسه بوصفه «رحيمًا» بالمعنى العاطفي، بل يبني سياساته على منطق اقتصادي استراتيجي. فالدعم غير المستهدف في مجال الطاقة، مثلاً، كان يستفيد منه الأكثر دخلًا لأنهم يستهلكون طاقة أكبر، ما تسبب في عجز مالي كبير وتشوهات اقتصادية حدّت من النمو المستدام وفرص العمل. وفق تصور واضعي السياسات الاقتصادية، تساعد الإصلاحات في تقليل العجز، وتحسين الاستقرار المالي، وجذب الاستثمارات، بما ينعكس على خلق فرص عمل، خاصة في القطاع الخاص، وتعزيز القدرة على مواجهة الصدمات.

التمويل يرتبط ببرامج حماية اجتماعية موازية، كالتوسع في برنامج «تكافل وكرامة»، الذي وصل عدد المستفيدين منه إلى أكثر من 5 ملايين شخص بشكل مباشر، وحوالي 17 مليونًا بشكل غير مباشر، مما يسهم (نسبيًا) في خفض الفقر وتحسين الإنفاق على الغذاء والتعليم والصحة لدى الأسر المستفيدة، مع تركيز خاص على النساء والأطفال. هي إذن استراتيجية محسوبة، تعترف بأن الإصلاحات مؤلمة على المدى القصير، لكنها تراهن على تحقيق استقرار مالي ونمو أكثر شمولًا على المدى المتوسط والطويل.

مبادرتا «حياة كريمة» و«تكافل وكرامة» تمثلان العمود الفقري للحماية الاجتماعية في مصر، خاصة للفئات الأقل دخلًا، إذ تستهدفان دعم الأسر عبر تحويلات نقدية، وتحسين الخدمات الأساسية، وتوفير برامج تمكين اقتصادي، للمساعدة في تخفيف أثر التضخم وارتفاع أسعار السلع على مستوى المعيشة اليومي. يأتي التمويل من شراكات متعددة تشمل الحكومة، ومؤسسات دولية كالبنك الدولي، ومنظمات غير حكومية. هذا التنسيق يضمن استمرار البرامج رغم الأزمات الاقتصادية، ويعزز قدرة الدولة على تقديم شبكات أمان قوية للفئات الضعيفة، ما يحمي الاستقرار الاجتماعي ويقلل من احتمالات الاحتجاجات أو التوتر الداخلي.

تستهدف المبادرات المناطق الريفية والأكثر هشاشة اقتصاديًا، مع التركيز على تحسين البنية التحتية، والتعليم، والصحة. يعتمد نجاح البرامج على دقة استهداف المستفيدين، ومراقبة الإنفاق، وكفاءة إدارة الموارد، خاصة مع احتمالات ارتفاع تكلفة المعيشة نتيجة الصدمات الإقليمية وارتفاع أسعار الطاقة. ورغم توافر موارد دولية، تبقى التحديات مستمرة، إذ قد تؤدي الأزمات الإقليمية إلى زيادة كلفة الدعم والضغط على قدرة الدولة على التوسع في الخدمات الاجتماعية.

يعرف المختصون أن الاعتماد النسبي على التمويل الخارجي يضع برامج الحماية الاجتماعية في موقف حساس أمام أي تقلبات في المساعدات أو تغير أولويات المؤسسات الدولية. لذلك تتطلب الاستمرارية إدارة مالية حذرة، وتعزيز الشراكات الدولية، ورفع الكفاءة التنفيذية، لضمان قدرة الشبكات الاجتماعية على الصمود أمام الصدمات الاقتصادية المستقبلية من دون فقدان فعاليتها أو تراجع مستوى الخدمات المقدمة للمستفيدين. لذا كانتا حاضرتين في النقاش بين الرئيس السيسي ورئيس مجموعة البنك الدولي.

برنامج الإصلاح الاقتصادي المصري، الذي يُنفَّذ بالشراكة مع صندوق النقد الدولي، يركز على ضبط الموازنة، خفض التضخم، إدارة الدين العام، وتحسين كفاءة الإنفاق. يشمل أيضًا إصلاحات في سوق العمل، رفع كفاءة الدعم، وتحرير أسعار الطاقة بشكل تدريجي، بهدف تحقيق استقرار مالي طويل الأمد وتقليل العجز الهيكلي. يشكّل سعر الصرف محورًا حساسًا، حيث تسعى الحكومة للحفاظ على مرونة الجنيه مقابل العملات الأجنبية لتسهيل التجارة والاستثمار. أما التضخم المرتفع الناتج عن تقلبات أسعار الوقود والسلع المستوردة فيشكل ضغطًا على الأسر، ويجعل تنفيذ سياسات الإصلاح الاجتماعي أكثر تعقيدًا في ظل بيئة إقليمية مضطربة تؤثر على تكلفة المعيشة.

إغلاق مضيق هرمز وارتفاع أسعار الطاقة المحتمل يزيد من تحديات تحقيق الأهداف المالية. فقد تتضخم فاتورة استيراد الوقود والغاز، ما يضغط على الموازنة العامة ويزيد الحاجة إلى التمويل الخارجي. هذه الضغوط تجعل إدارة الدين العام أكثر تعقيدًا، خاصة إذا استمرت التوترات العسكرية أو توسعت لتشمل مناطق إنتاج نفطية رئيسية. يُعد الاستثمار العام أداة رئيسية في برنامج الإصلاح، لكنه يواجه قيودًا إذا ارتفعت أسعار المواد الخام أو الطاقة، ما يضطر الحكومة لإعادة ترتيب أولويات الإنفاق بين مشاريع التنمية الاجتماعية والبنية التحتية، مع الحرص على تجنب تفاقم العجز المالي وتقليل تأثير الصدمات الخارجية على الاقتصاد الكلي.

الفرق بين البنك الدولي وصندوق النقد الدولي يكمن في الهدف الرئيسي لكل منهما وطبيعة الدعم الذي يقدمه للدول. البنك يركز أساسًا على تمويل التنمية طويلة الأجل، عبر مشاريع ومبادرات لتحسين البنية التحتية، الصحة، التعليم، الطاقة، والحماية الاجتماعية. أهدافه ترتبط بالنمو الاقتصادي المستدام، الحد من الفقر، وتعزيز القدرات المؤسسية للدول النامية، وغالبًا ما يقدم قروضًا طويلة الأجل أو منحًا ميسرة لمشروعات محددة. أما الصندوق، فيركز على الاستقرار النقدي والمالي القصير إلى المتوسط، ويعمل على مساعدة الدول في إدارة ميزان المدفوعات، الحفاظ على استقرار سعر الصرف، ومواجهة أزمات السيولة أو العجز المالي المفاجئ.

يقدم الصندوق عادة قروضًا مشروطة ببرامج إصلاح اقتصادي، مثل ضبط الموازنة، خفض التضخم، وإصلاح سياسات الدعم والضرائب، بهدف استعادة الثقة في الاقتصاد وتمكين الدولة من الاستمرار في التجارة والاستثمار. منذ عام 2016، حصلت مصر على قروض من صندوق النقد الدولي تجاوزت 25 مليار دولار، موزعة على ثلاث مراحل رئيسية. شملت المرحلة الأولى قرضًا بقيمة 12 مليار دولار في 2016، تلاه قرض ثانٍ بقيمة 8 مليارات دولار عام 2020، ثم برامج تمويل إضافية في الفترة بين 2022 و2026 بقيمة تقدر بين 5 و6 مليارات دولار، مع استمرار صرف المبالغ وفقًا للاتفاقيات القائمة حتى الآن.

نعود للقاء الرئيس السيسي ورئيس مجموعة البنك الدولي أجاي بانجا، الذي يأتي في توقيت إقليمي بالغ الدلالة والحساسية. أقصد التصعيد في العملية الإسرائيلية- الأمريكية «زئير الأسد» ضد إيران، والتي تستهدف بدورها قواعد أمريكية وأهدافًا أخرى في الخليج، وتأثير ذلك على إغلاق مضيق هرمز، بالتزامن مع تهديد منشآت نفطية رئيسية، ما يضع الاقتصاد الإقليمي، بل والعالمي، أمام حالة من عدم اليقين الحاد.هذا الوضع يحتم على جميع الدول مواجهة تحديات مزدوجة وتحديد أولوياتها الاقتصادية: حماية الأسواق الداخلية وضمان استقرار التمويل في ظل المخاطر الخارجية المتسارعة. في مصر، ينعكس ذلك على برامج التنمية، إدارة الموازنة، واستقرار أسعار الصرف، خاصة مع الاعتماد الكبير على استيراد الطاقة وتأثير تقلباتها على الموازنة العامة.

توقيت الزيارة يطرح سؤالًا حول الأولويات الاقتصادية والسياسية المصرية: هل الهدف الرئيسي دعم الإصلاحات الهيكلية في الاقتصاد، أم تحصين الاقتصاد من الصدمات الخارجية المحتملة؟ الإجابة على هذا السؤال تتطلب قراءة دقيقة لعلاقة التمويل الدولي بالضغوط الإقليمية، مع احتمالات ارتفاع أسعار النفط والغاز بشكل مفاجئ وتأثيرها المباشر على الاستقرار المالي. ونظرًا لأن الاقتصاد المصري لم يعد معزولًا عن الأوضاع الصعبة في الإقليم، يسلط اللقاء الضوء على ضرورة إدارة المخاطر الاقتصادية بطريقة متوازنة بين التمويل الدولي والإصلاح الداخلي. فالتمويل مرتبط مباشرة بإدارة المخاطر الجيوسياسية، ما يفرض على الحكومة موازنة دقيقة بين الإصلاح المالي والاستجابة للتقلبات الخارجية، مع الحفاظ على قدرة الدولة على حماية الاستقرار الاجتماعي وتحفيز الاستثمار المحلي والأجنبي.

زيارة أجاي بانجا إلى القاهرة ركزت على تثبيت الشراكة الاستراتيجية بين مصر ومؤسسات التمويل الدولية، وتأكيد استمرار دعم المشاريع التنموية رغم البيئة العالمية المضطربة. تحمل الزيارة رسائل متعددة، منها التزام البنك الدولي بالتمويل المستمر، ودعم برنامج الإصلاح الاقتصادي المصري، بما يشمل ضبط الموازنة، خفض التضخم، وإصلاح السياسات الضريبية. هذه الرسائل توضح حرص المؤسسات الدولية على حماية استثماراتها ومشروعاتها في مصر ذات الوزن الإقليمي والسياسي المهم، وفي المقابل تعكس جدية القاهرة في تعزيز الشراكة الاقتصادية عبر ربط التمويل الدولي ببرامج إصلاحية قابلة للقياس، مع السماح لمسؤولي البنك بمراقبة المؤشرات الاقتصادية، لاسيما النمو، والدين العام، واستقرار القطاع المصرفي، لتقليل المخاطر المرتبطة بتقلبات الأسواق الإقليمية.

كما توجه الزيارة رسالة للأسواق والمستثمرين بأن مصر تسعى للاستقرار الاقتصادي والسياسي في وقت حساس. دعم التمويل الدولي يمنح الحكومة هامشًا لمواصلة تنفيذ الإصلاحات ويطمئن المستثمرين الأجانب بأن الشراكات طويلة الأجل قائمة، ما يخلق بيئة أكثر قدرة على الصمود أمام أي صدمة خارجية، سواء كانت متعلقة بالطاقة أو التضخم. ومن هذا المنطلق، تُعد الزيارة مؤشرًا على تفاعل الاقتصاد المصري مع التحديات الإقليمية، وربط التمويل الدولي مباشرة باستقرار الدولة الداخلي، ما يؤكد على دور مصر كوجهة استثمارية مستقرة نسبيًا، مع حرص على ضمان استمرارية مشاريع التنمية وبرامج الحماية الاجتماعية، حتى في ظل المخاطر العسكرية والتقلبات الاقتصادية العالمية.

استهداف قواعد أمريكية في الخليج يزيد التوتر الجيوسياسي ويخلق حالة من عدم اليقين لدى المستثمرين. تقوم المؤسسات المالية الدولية بتقييم المخاطر الإقليمية بشكل مستمر، وإعادة تسعير الأصول عند ارتفاع احتمالات التصعيد العسكري. يمتد تأثير ذلك إلى أسواق رأس المال والطاقة، ويجعل الاستثمار في المنطقة أكثر تكلفة وحذرًا. تسعى مصر إلى تعزيز الاستثمار الأجنبي المباشر، ويُعد الاستقرار السياسي والاقتصادي عاملاً حاسمًا لجذب رؤوس الأموال. التصعيد في الخليج يطرح تحديًا إضافيًا: كيف يمكن للقاهرة تقديم نفسها كوجهة آمنة ومستقرة نسبيًا وسط بيئة استثمارية مضطربة؟ نجاحها يعتمد على إدارة المخاطر وقدرتها على طمأنة الشركاء الدوليين.

زيادة التوتر قد تؤدي إلى تغييرات في تدفقات رأس المال الأجنبي نحو المنطقة، إذ يبحث المستثمرون عن بدائل أقل عرضة للصدمات، ما قد يرفع تكلفة الاقتراض ويزيد متطلبات العائد على الاستثمار. هذا يعكس العلاقة المباشرة بين الأمان الإقليمي واستقرار السياسات الاقتصادية في مصر، مع اعتمادها على التمويل الدولي للمشروعات الكبرى. تتطلب الاستجابة استراتيجيات متعددة تشمل تعزيز الأطر القانونية للاستثمار، تحسين الشفافية، وتقديم حوافز لتقليل المخاطر المالية للمستثمرين.

كما تحتاج الحكومة إلى مراقبة التطورات العسكرية وتحليل تأثيرها على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد، إذ يؤدي ارتفاع كلفة التأمين البحري نتيجة المخاطر العسكرية إلى رفع أسعار الشحن، ويتصل بذلك وضع قناة السويس. تُقدَّر خسائر القناة نتيجة تداعيات الحرب في غزة بنحو 10 مليارات دولار من الإيرادات السنوية، ما يعكس انخفاض حركة السفن بسبب المخاطر الأمنية وتراجع الطلب على النقل البحري عبر الممر الاستراتيجي، وزيادة الضغوط على الميزانية العامة والإيرادات الحكومية والخدمات اللوجستية المرتبطة بالقناة.

تُعد القناة عنصرًا أساسيًا في الاستقرار الاقتصادي لمصر، وأي اضطراب فيها ينعكس على العجز التجاري واستقرار الأسعار واستقطاب الاستثمارات الأجنبية. تحدد قدرة الحكومة على التكيف مع التحديات الإقليمية حجم التعويض عن الخسائر المحتملة واستمرارية برامج التنمية المستدامة المرتبطة بعائدات القناة نتيجة التصعيد الإقليمي الجديد.تتطلب إدارة المخاطر أدوات متعددة، مثل تحسين المراقبة البحرية، وتعزيز الخدمات اللوجستية، وتنويع مصادر الدخل المرتبطة بالقناة، بما في ذلك الخدمات المساندة والتخزين والموانئ الحرة، لضمان تقليل تأثير التوترات الإقليمية على الإيرادات والحفاظ على القدرة التنافسية للقناة في التجارة العالمية.

يهدد إغلاق مضيق هرمز، حتى ولو بصورة غير رسمية، مرور نحو 20% من تجارة النفط العالمية، ما يؤدي إلى ارتفاع سريع في أسعار النفط والغاز. تعتمد مصر على استيراد جزء كبير من الطاقة، وبالتالي فإن أي زيادة في الأسعار تؤثر مباشرة على فاتورة الاستيراد، ودعم الطاقة، وعجز الموازنة العامة، لاسيما في ظل التعافي الاقتصادي بعد أزمة كورونا. كما أن ارتفاع تكلفة الطاقة يضغط على الصناعة المحلية ويزيد كلفة الإنتاج، ما يرفع أسعار السلع الاستهلاكية. القطاعات التي تعتمد على الوقود بكثافة، مثل الكهرباء والبتروكيماويات، ستواجه صعوبات إضافية، وقد تؤثر هذه الضغوط أيضًا على السياسات النقدية، مع احتمال زيادة التضخم وتراجع القوة الشرائية للأسر.

تختلف سيناريوهات أسعار الطاقة وفق مدة الإغلاق وطبيعة الاستجابة الدولية. في السيناريو المحدود، قد ترتفع الأسعار مؤقتًا مع تأثير معتدل على الموازنة. أما في السيناريو الطويل الذي يشمل تعطيل المنشآت النفطية، فقد يؤدي ذلك إلى صدمة اقتصادية، تفاقم العجز المالي، واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، ما يجعل السياسات المالية أكثر هشاشة. وتعتمد التقديرات الحالية لسوق الطاقة على بيانات متقلبة، ما يزيد صعوبة التخطيط الاقتصادي. لذلك، تحتاج الحكومة المصرية إلى تقييم مستمر لأسعار النفط والغاز، مع الاستعداد لإجراءات احترازية مثل زيادة المخزونات الاستراتيجية، دعم الصناعات المحلية البديلة، أو تعديل أسعار الطاقة تدريجيًا لتقليل الأثر على المواطنين.

لا يمكن، وسط هذه التطورات الإقليمية الدرامية (سياسيًا، عسكريًا، واقتصاديًا)، تغاضي مصر عن أن استضافة حوالي 10.5 مليون أجنبي نتيجة النزاعات في دولهم تشكل ضغطًا كبيرًا على الموازنة والبنية التحتية في مصر. لذلك كان لا بد أن يكون الملف حاضرًا على مائدة المناقشات بين الرئيس السيسي ورئيس مجموعة البنك الدولي، أجاي بانجا، لاسيما أن هؤلاء الأفراد يحصلون على خدمات عامة مماثلة للمواطنين المصريين، ولا يعيشون في «كانتونات» كما تفعل دول أخرى، ما يزيد أعباء الإنفاق ويشكل ضغوطًا إضافية على الخدمات الأساسية والموارد الحكومية المحدودة.

الكلفة الاقتصادية تشمل دعم الغذاء والطاقة، وتأمين الخدمات الصحية والتعليمية، إلى جانب استثمارات في الإسكان والمرافق العامة. حجم الدعم الدولي المقدم لمصر لا يغطي كامل الأعباء، ما يجعل الدولة تتحمل الجزء الأكبر من النفقات ويؤثر في قدرتها على تخصيص الموارد لمشروعات التنمية المحلية الأخرى. البعد الإنساني والسياسي يضيف تعقيدًا إلى الصورة العامة. توفير الحماية والخدمات للوافدين يوضح التزام مصر بالمعايير الدولية لحقوق اللاجئين، لكنه يضع الدولة تحت مراقبة المجتمع الدولي لضمان فعالية توزيع الموارد وعدم تأثر الخدمات المحلية.

التوازن بين المسئولية الإنسانية والحفاظ على الاستقرار الداخلي يمثل تحديًا استراتيجيًا. في المقابل، يزيد الضغط المالي على الموازنة من أهمية الشراكة مع المؤسسات الدولية، بما فيها البنك الدولي، لتأمين التمويل اللازم لدعم البنية التحتية والخدمات الاجتماعية. سياسات دعم اللاجئين تحتاج إلى استراتيجيات تمويل متواصلة وربطها بالمساعدات الخارجية لتخفيف الضغط على الاقتصاد المحلي والحفاظ على استمرارية المشروعات التنموية، وسط هذه التطورات شديدة الخطورة على المنطقة.

نعم، مصر تجدد موقفها الداعي إلى حل النزاعات بالوسائل السلمية، مع تحذير واضح من تداعيات التصعيد العسكري على الاستقرار الإقليمي. خطاب يستهدف حماية مصالحها الاقتصادية، خاصة في قطاعات التجارة، والطاقة، والاستثمار، مع تعزيز صورتها طرفًا فاعلًا قادرًا على التوسط في النزاعات من دون الانحياز لأي طرف. الوساطة السياسية تمنح القاهرة هامشًا إضافيًا في التعامل مع شركاء التمويل الدوليين. الاستقرار النسبي يعزز الثقة في الاقتصاد المصري، ويزيد قدرة الدولة على ضمان استمرار التمويل الدولي للمشروعات التنموية والإصلاحات الاقتصادية، رغم تقلبات الأسعار العالمية والطاقة وتأثيراتها في الموازنة العامة.

توظيف خطاب التهدئة لا يقتصر على السياسة الخارجية، بل يرتبط مباشرة بالاقتصاد الداخلي. قدرة الحكومة على استقطاب الاستثمار الأجنبي والحفاظ على السياحة تعتمد على تقليل المخاطر التي تدركها الأسواق، ما يجعل السياسة الدبلوماسية أداة لإدارة المخاطر الاقتصادية إلى جانب أدوات السياسة المالية والنقدية. التحدي يكمن في الموازنة بين المشاركة الفاعلة في الوساطة الإقليمية وفرض الاستقرار الداخلي. أي تصعيد عسكري أو توسع للأزمة يمكن أن يضغط على الاقتصاد المحلي، ويزيد كلفة المعيشة، ويقلل قدرة الدولة على تنفيذ الإصلاحات. لذلك، السياسة الدبلوماسية المرتبطة بالاستقرار الاقتصادي ضرورية للحفاظ على الثقة الدولية.

لكن، من واقع مراقبة بيانات التصعيد العسكري وبيانات سوق الطاقة، أراها تدور في ثلاثة سيناريوهات تقديرية سيكون لها انعكاس اقتصادي متغير على مصر: أولها أن تتوسع المواجهات العسكرية فتؤدي إلى تعطيل منشآت نفطية كبرى، ما يدفع أسعار الطاقة العالمية إلى الارتفاع بشكل حاد ويؤثر في سلاسل الإمداد الدولية. من تداعياته علينا تمويل فاتورة استيراد مرتفعة وحماية الاستقرار الاجتماعي، مع الحاجة إلى أدوات نقدية ومالية استثنائية لتجنب أزمة شاملة وتأثيرات طويلة المدى في النمو الاقتصادي. ثانيها، تصعيد محدود يرفع أسعار الطاقة ويضغط على الموازنة، ما يدفع الحكومة إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق، وزيادة التمويل الموجّه للحماية الاجتماعية، وإعادة تقييم المشروعات العامة، مع استخدام أدوات مالية لتخفيف أثر ارتفاع كلفة الاستيراد على الاقتصاد المحلي والمواطنين.

أما السيناريو الثالث، الذي نأمل تحققه، فيقوم على احتواء سريع للتصعيد وعودة الملاحة عبر مضيق هرمز، ما يتيح استقرارًا نسبيًا في أسعار النفط والغاز. عندها تستطيع مصر الاستمرار في تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي، مع القدرة على السيطرة على التضخم وضبط الموازنة، والحفاظ على استقرار الاستثمارات الأجنبية والمشروعات التنموية.

في كل الأحوال، يظل التخطيط المبكر وتطوير استراتيجيات مرنة أمرين ضروريين لتمكين الحكومة من تعديل السياسات المالية والنقدية وفق كل احتمال، وضمان استمرار التمويل الدولي، واستقرار السوق المحلية، وحماية الفئات الأكثر احتياجًا. كما تمثل الشراكات الدولية أدوات رئيسية لتقليل المخاطر، وحماية الاستثمار، واستمرار برامج التنمية والاستقرار الاجتماعي، حتى في ظل بيئة إقليمية وعالمية متقلبة.

قد يكون موقفي هو موقفك وأكثر تجاه دور البنك الدولي، ومعه صندوق النقد، في ما يتعلق بدعم الدول النامية، لكنها الضرورات، فمصر ليست معزولة عن جوارها أو عن الظروف العاصفة دوليًا. تحاول في كل محطاتها اختبار ما تروّجه المؤسسات الدولية عن نفسها، لاسيما البنك الدولي، بشأن تقديم الدعم للدول النامية خلال الأزمات المركبة عبر تسريع صرف التمويل، وإعادة توجيه الموارد، وتقديم قروض ميسّرة لمشروعات الأمن الغذائي والطاقة والحماية الاجتماعية. يعتمد البنك الدولي على تقييم دقيق للمخاطر الإقليمية والعالمية قبل تخصيص الموارد.في الأزمات العسكرية أو الاقتصادية، يعدّل أولويات التمويل لضمان استمرارية الخدمات الأساسية وتأمين القطاعات الحيوية، مع مراعاة قدرة الدول المستفيدة على إدارة الموارد بشكل فعال.

التحدي الرئيس يظهر في قدرة البنك على الاستجابة لمتطلبات متزايدة في ظل تعدد بؤر التوتر إقليميًا ودوليًا. الطلب المتزامن على التمويل في مناطق عدة يقلّص الموارد المتاحة لكل دولة، ويجبر المؤسسات الدولية على مراجعة الاستراتيجيات، وإعادة ترتيب الأولويات، وترشيد الإنفاق لضمان تغطية الأزمات الأكثر حدة. أرى أن مصر تسعى إلى تأمين أدوات حماية اقتصادية، مع ما يمكن وصفه بـ«المرونة الضرورية» في البرامج الإصلاحية لمواجهة تقلبات أسعار الطاقة، واضطرابات التجارة، وأعباء استضافة الوافدين، تعزيزًا للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي واستدامة التنمية في ظل بيئة متقلبة وعاصفة.

من هنا نفهم لماذا كان اللقاء «مهمًا»، على الأقل من زاوية إدارة المخاطر بطريقة متوازنة بين التمويل الدولي والإصلاح الداخلي، ومما يعمق أهميته مستوى المشاركين فيه، إلى جانب الرئيس السيسي ورئيس مجموعة البنك الدولي أجاي بانجا: الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، الدكتور أحمد رستم، وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية، أثيوبيس تافارا، نائب رئيس مؤسسة التمويل الدولية، أوسمان ديون، نائب رئيس البنك الدولي، تريفور كينكايد، مستشار رئيس مجموعة البنك الدولي، عبد العزيز الملا، المدير التنفيذي لمجموعة الدول العربية في البنك الدولي، والسفير هشام سيف الدين، المدير التنفيذي المناوب لدى مجموعة البنك الدولي.

اقرأ أيضاًالحكومة توافق على 40 طلب تخصيص أراض لشركات بنظام البيع بالدولار

تكليفات للوزراء بمتابعة توافر مختلف السلع في الأسواق.. وبأسعار مناسبة

«مدبولي»: تنفيذ تكليفات الرئيس السيسي بتوفير التمويل لاستكمال مشروعات الطاقة

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts