مقالات

الإمام الليث بن سعد (3-4) – الأسبوع


طارق عبد الحميد

طارق عبد الحميد

بعد أن أنجزنا الحلقتين الأولى والثانية من سيرة الإمام الليث بن سعد (إمام أهل مصر)، نستكمل الآن حلقتنا الثالثة إذ عُرف عن الإمام الليث ولعه بالعلم حتى أنه كان يشد الرحال حين يسمع عن فقيه في أي بلد أخرى غير مصر، فقد سافر إلى العراق بعد أن بلغ الستين بعد أن سمع عن فقيه أصغر منه سنًا. كما سمع عن فقيه آخر نزل بالإسكندرية، فركب النيل إليه، وحين وصل وجده قد توفي، فبكى.

وقد اختلف الإمام الليث مع الإمام مالك في نحو سبعين مسألة رأى الليث أنه خالف فيها سنة الرسول الكريم، ومنها قول مالك إن الجنين يظل في بطن أمه 3 سنوات، وهو ما رفضه الليث لأنه ينافي العقل والمنطق وعلم الطب. وبعد رفضه لذلك، لم يعد مالك يتحدث عن هذا الأمر.

ومن الخلافات بينهما أيضًا ما يتعلق بحق انتفاع صاحب الأرض بزراعتها، حيث أقر مالك- وكثير من الفقهاء- مبدأ الإيجار، وهو ما رفضه الليث متمسكًا بمبدأ المزارعة اقتداءً بسنة الرسول الكريم في أرض خيبر، حيث سمح باقتسام خير الأرض بالعدل مع من يقومون بزراعتها (يهود خيبر).

وقد طبق الليث ذلك على نفسه وأرضه. وقد سار على نهج فتيا الليث بعد ذلك بقرنين ابن حزم الأندلسي، فتعرض لحملة شعواء من العلماء في عصره، مما جعله يصفهم بالجهل، واستشهد بالإمام الليث في فتواه.

كما التقى الليث بالإمام أبي حنيفة النعمان مرةً عند الإمام مالك بالمدينة، ولكنه رآه قبلها في الحرم المكي أثناء الحج، وجلس يستمع إليه في حلقة أقامها هناك، وسمع فتياه في مسالة عرضها عليه واحد من أهل خراسان قائلًا: “إني رجل ميسور الحال، وإن لي ابنًا ليس بالمحمود، فإن زوّجته طلّق، وإن سريّته (أي أعطاه جارية تعيش معه كزوجة) أعتق، فماذا أفعل معه؟”، فرد أبو حنيفة بسرعة: “اشترِ لنفسك الجارية التي يرضاها هو، ثم زوجها منه، فإن طلّق رجعت مملوكتك إليك، وإن أعتق فقد أعتق ما لا يملك”. وهنا قال الليث عن فتيا أبي حنيفة: “فوالله ما أعجبني قوله بأكثر مما أعجبني سرعة رده”، وقد كان الليث يأخذ على أبي حنيفة توسعه في الأخذ بالرأي ولجوئه إلى الحِيل لاستنباط الأحكام.

وكان أشهر خلاف بينهما ما يتعلق بـ”الوقف”، حيث كان أبو حنيفة لا يجيزه إذ يرى في حبس المال قيدًا وضررًا، بينما رأى الليث أن رأي أبي حنيفة مخالف للسنة النبوية، فقد أوقف الرسول الكريم وخلفاؤه الأربعة.. فمن يبقى بعد ذلك لمخالفتهم؟!!.

أما قصة هارون الرشيد وزوجته- وابنة عمه- زبيدة، فهي من أشهر القصص التي تنم عن عبقرية وسرعة بديهة الليث. وكان الرشيد قد قال لزوجته: “أنتِ طالق إن لم أدخل الجنة”.. وندم بعدها على هذا القول وجمع كافة الفقهاء من أنحاء الدولة الإسلامية، فحضروا جميعًا- ومنهم الليث- الذي جلس آخر القاعة، وبعد أن يأس الجميع من الحل، طلب الليث الكلمة، وطلب من هارون أن يبقيا وحدهما، فأجابه إلى طلبه وصرف الحضور جميعًا.

بعدها، طلب أن يؤتى بالمصحف لأمير المؤمنين، وطلب منه أن يقرأ سورة الرحمن، وحين وصل هارون إلى قوله تعالى: “ولمن خاف مقام ربه جنتان”، قال له: “أمسك هنا يا أمير المؤمنين، وقل ورائي: والله إني أخاف مقام ربي”، ففعل هارون على مضض، فقال له الليث: “يا أمير المؤمنين.. فهما جنتان وليست بجنة واحدة”، فتهلل وجه هارون وقال له “أحسنت والله”، وأمر له بجوائز وخلع وآلاف الدنانير، واقطعه أرض الجيزة كلها، كما أهدته زبيدة زوجة الرشيد جوائز عظيمة لا تقل عن جوائز وعطايا زوجها.. .وللحديث بقية.

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts