حين ترتفع طبول الحرب في المنطقة، لا يكون الامتحان الحقيقي للدول في قدرتها على خوضها، بل في حكمتها لتجنبها قبل أن تتحول إلى حريقٍ لا ينجو منه أحد.
في خضمّ التصعيد الذي تشهده منطقة الخليج، تتعالى نبرات التحذير من الانزلاق إلى حربٍ شاملة تُذكي نارها خطابات التحدي والوعيد.
غير أن التأمل العميق في المشهد الإقليمي والدولي يفرض على العقل السياسي الواعي وقفةً متأنية لإعادة قراءة الحسابات الاستراتيجية، وإعادة تقدير المصالح ومآلات القرارات الكبرى. فالدخول في مواجهةٍ مباشرة مع إيران ليس مجرد خيارٍ عسكري عابر، بل مغامرةٌ استراتيجية كبرى قد تفتح الباب أمام صراعٍ استنزافي طويل، يتحول معه الخليج من فضاءٍ حيوي للتجارة والتنمية إلى ساحةٍ مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.
لقد أثبتت تجارب العقود الأخيرة أن الحروب الإقليمية لم تعد تُحسم بانتصارات سريعة، بل تتحول إلى مستنقعاتٍ عميقة تستنزف الاقتصادات قبل الجيوش.
والحرب مع إيران، بما تمثله من ثقلٍ إقليمي وقدراتٍ عسكرية وأدوات ضغط متعددة، لن تكون استثناءً من هذه القاعدة، فهي قادرة على تحويل أي مواجهةٍ إلى صراعٍ طويل الأمد، تتآكل خلاله الموارد وتضطرب الأسواق وتتراجع فرص التنمية.
وفي مثل هذه اللحظات، تتجلى الحكمة السياسية في ضبط الإيقاع وعدم الانجرار وراء ردود الفعل المتسرعة التي قد تجر المنطقة إلى معركةٍ واسعة لا يُعرف مداها ولا تُضمن نهاياتها.
وما يزيد المشهد تعقيداً أن معادلات النظام الدولي لا تُدار دائماً بمنطق الحلفاء بقدر ما تُحكمها حسابات المصالح. فالقوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، تدرك أن إدارة الصراعات عن بُعد أقل كلفة وأكثر ربحاً من الانخراط المباشر فيها.
وفي حال اندلاع مواجهة شاملة بين الخليج وإيران، قد تجد واشنطن نفسها وقد انتقلت من موقع الشريك الأمني إلى موقع «مدير الصراع من الخلف»، تاركةً الأطراف الإقليمية تخوض معركتها بينما تتحول هي إلى موردٍ للسلاح يُمدّ الجميع بما تحتاجه الحرب من أدوات وعتاد.
هكذا تتحول المواجهة من صراعٍ سياسي إلى معادلة استنزاف اقتصادي، تُستنزف فيها مقدرات المنطقة بينما تتراكم أرباح الآخرين.
إن استنزاف القوى الإقليمية في صراعٍ طويل لا يكون مجرد نتيجة للحرب، بل قد يتحول إلى أداة لإعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط.
فحين تنشغل دول الخليج وإيران بمواجهةٍ مفتوحة تستنزف مواردها، تتسع المساحة أمام أطرافٍ أخرى تنتظر لحظة ضعف الجميع لتعزيز نفوذها والخروج بأكبر المكاسب الجيوسياسية من صراعٍ لم تكن طرفه المباشر.
ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: أين تكمن المصلحة الاستراتيجية لدول الخليج؟ هل في الانخراط المباشر في مواجهة قد تفتح أبواباً لصراعٍ طويل، أم في الحفاظ على الاستقرار الداخلي وتجنب التحول إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين مشاريع إقليمية متنافسة؟ إن التعاطي الذكي مع الأزمات لا يقوم على التصعيد وحده، بل على موازنة الردع بالحكمة لحماية المصالح الوطنية وتجنب صراعات عبثية.
فالقوة الحقيقية للدول لا تُختبر في ساحات الوغى بقدر ما تتجلى في قدرتها على تجنب ويلاتها حين تتحول الحروب إلى مستنقعات استنزاف تُنهك الدول ويخرج منها الجميع مثقلاً بالخسائر. فالحكمة السياسية في لحظات الاحتدام لا تُقاس بضجيج ردود الفعل، بل بضبط الإيقاع واحتواء الشرارة قبل أن تتحول إلى حريقٍ شامل.
وفي عالمٍ تُدار فيه الصراعات بعقولٍ باردة، يبقى الخيار الأجدر هو تحصين الاستقرار وصون المقدرات، لا الانجرار إلى حربٍ قد تبدأ في الخليج وتثقل مستقبل المنطقة بأسرها.
اللهم احفظ الخليج ودياره، وأدِم على أوطانه نعمة الأمن والاستقرار، وجنّب منطقتنا ويلات الحروب والفتن.
اقرأ أيضاًخوارج العصر وأباطرة الفتوى.. منابر تهدم وثوابت تُستباح
