هل يقترب العالم من لحظة النووي في الشرق الأوسط؟ – الأسبوع

هل يقترب العالم من لحظة النووي في الشرق الأوسط؟ – الأسبوع

قراءة استشرافية في خطاب دونالد ترامب واحتمالات الحرب الكبرى في الشرق الأوسط، ، ، ،

في لحظات التوتر الكبرى في التاريخ، لا تُقاس خطورة الحروب بعدد الصواريخ التي تُطلق، بل بالأسئلة التي تبدأ في الظهور خلف الكواليس. وأخطر تلك الأسئلة اليوم هو: هل يمكن أن يعود العالم إلى لحظة النووي مرة أخرى؟

في أزمنة الحروب الكبرى لا تُقرأ التصريحات السياسية على ظاهرها، بل في سياقها الأوسع. فحين يؤكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن إسرائيل لن تستخدم السلاح النووي في حربها مع إيران، فإن السؤال الحقيقي لا يكمن في مضمون الجملة بقدر ما يكمن في الظروف التي جعلت مثل هذا الاحتمال مطروحًا على الطاولة السياسية والإعلامية.

مجرد إدخال فكرة السلاح النووي إلى خطاب الحرب يعني أن الصراع تجاوز حدود المواجهة التقليدية، ودخل مرحلة أكثر حساسية في حسابات الردع والقوة. فالتاريخ الحديث لا يعرف استخدامًا فعليًا لهذا السلاح إلا في نهاية الحرب العالمية الثانية، عندما ألقت الولايات المتحدة قنبلتين ذريتين على مدينتي هيروشيما وناجازاكي.

ومنذ ذلك الحدث تحول السلاح النووي إلى رمز للقوة المطلقة وإلى أداة ردع إستراتيجية أكثر منه سلاحًا للاستخدام المباشر. لكن استحضار هذا التاريخ يفتح بابًا لسؤال لا يقل أهمية: لماذا ينصرف النقاش اليوم إلى احتمال استخدام إسرائيل لهذا السلاح، بينما يتجاهل كثيرون أن الدولة الوحيدة التي استخدمته فعليًا في التاريخ كانت الولايات المتحدة نفسها؟

هذا السؤال لا يهدف إلى المقارنة بقدر ما يكشف عن طبيعة الخطاب السياسي في الحروب الكبرى. فالقوة العظمى التي صنعت سابقة الاستخدام النووي في اليابان ما زالت اللاعب المركزي في إدارة التوازنات العسكرية العالمية. وبالتالي فإن أي تصعيد استراتيجي في الشرق الأوسط لا يمكن قراءته خارج الدور الأمريكي، سواء في توجيه مسار الحرب أو في ضبط حدودها.

لكن خصوصية الشرق الأوسط تجعل الحسابات أكثر تعقيدًا. فالصراعات في هذه المنطقة ليست عسكرية فحسب، بل تتداخل فيها الجغرافيا السياسية مع الطاقة والعقائد السياسية والتوازنات الدولية. وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، فإن أي حرب واسعة بين إسرائيل وإيران تحمل في طياتها مخاطر الانزلاق نحو مستويات غير مسبوقة من التصعيد.

قراءة خطاب ترامب تشير إلى محاولة واضحة لاحتواء القلق الدولي. فالإدارة الأمريكية تدرك أن مجرد الحديث عن احتمال استخدام السلاح النووي في منطقة تمر عبرها أهم ممرات الطاقة العالمية كفيل بإثارة اضطراب سياسي واقتصادي واسع. ومن هنا جاء التأكيد الأمريكي بأن إسرائيل لن تقدم على مثل هذه الخطوة.

غير أن الخطاب السياسي في الأزمات الكبرى لا يكون دائمًا كشفًا كاملاً للنوايا بقدر ما يكون إدارة للتوازنات. ففي عالم السياسة الدولية تُستخدم التصريحات أحيانًا لطمأنة الحلفاء، وأحيانًا لبعث رسائل ردع إلى الخصوم، وفي أحيان أخرى لاحتواء الذعر في الأسواق الدولية.

المعادلة العسكرية في الشرق الأوسط تقوم أساسًا على مفهوم الردع غير المعلن. فإسرائيل تُعد من الدول التي يُعتقد أنها تمتلك قدرات نووية متقدمة، رغم سياسة الغموض التي تتبعها منذ عقود، في حين ترى القوى الغربية في البرنامج النووي الإيراني مشروعًا يمكن أن يغيّر موازين القوى في المنطقة إذا وصل إلى مرحلة متقدمة.

ومع ذلك، فإن استخدام السلاح النووي يظل خيارًا شديد الخطورة لا تلجأ إليه الدول إلا في حالة تهديد وجودي مباشر. فالعقيدة العسكرية للقوى الكبرى تقوم على أن هذا السلاح هو آخر الخيارات وليس أولها، لأن نتائجه لا تتوقف عند حدود المعركة بل تمتد إلى النظام الدولي كله.

حتى الآن، لا تشير المعطيات إلى أن الصراع بلغ هذه المرحلة. لكن المؤشرات الميدانية توحي بأن المنطقة تدخل مرحلة تصعيد تدريجي: ضربات متبادلة، استهداف للبنية التحتية، توتر في ممرات الطاقة، واتساع دائرة الصراع إقليميًا. هذه العوامل مجتمعة تخلق بيئة شديدة الهشاشة يمكن أن تتطور بسرعة إذا فقدت القوى الكبرى القدرة على ضبط إيقاع المواجهة.

في هذا السياق يمكن فهم خطاب ترامب باعتباره محاولة لإبقاء الحرب داخل سقفها التقليدي، ومنع انتقالها إلى مستوى أكثر خطورة. فالعالم يدرك أن استخدام السلاح النووي لن يكون مجرد ضربة عسكرية، بل لحظة مفصلية تعيد تشكيل توازنات القوة في النظام الدولي.

ولهذا يبقى شبح هيروشيما حاضرًا في الذاكرة السياسية العالمية، لا كحدث تاريخي فقط، بل كتحذير دائم من اللحظة التي تفلت فيها الحروب من حدودها وتتحول من صراعات إقليمية إلى أزمات كونية.

الخلاصة:

إن أخطر ما في الحروب الكبرى ليس السلاح الذي يُستخدم، بل السلاح الذي يبدأ الحديث عنه. فحين يدخل النووي إلى لغة السياسة، يصبح العالم كله جزءًا من المعادلة، لا ساحة المعركة وحدها. والتاريخ يذكّرنا بأن القرارات الكبرى في لحظات الغضب قد تغيّر مصير البشرية لأجيال.، ، !!

محمد سعد عبد اللطيف كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية، ، !!

Exit mobile version