مقالات

هل انهزمت أمريكا؟ – الأسبوع

لفهم ما يحدث اليوم، لا بد أن ننطلق من قاعدة بسيطة: القوة لا تُقاس فقط بما تملكه الدول من سلاح، بل بقدرتها على استخدام هذا السلاح دون أن تُطلقه، هذا هو جوهر ما عُرف تاريخيًا بـ«مهابة القوة»، وهو المفهوم الذي مكّن الرئيس الأمريكي ترامب ومن سبقه من قادة الولايات المتحدة من إدارة توازنات دولية معقدة دون الانزلاق الدائم إلى المواجهة المباشرة.

غير أن تصريحات ترامب الأخيرة، التي كشفت عن تأجيل الضربات العسكرية ضد محطات الكهرباء الإيرانية، تفتح بابًا واسعًا لإعادة قراءة المشهد، فحين تُصدر واشنطن أوامر بالتأجيل في لحظة تصعيد، وتُقر في الوقت ذاته باستمرار المفاوضات مع طهران، فإننا لا نكون أمام إدارة تقليدية للأزمة، بل أمام تحول أعمق في فلسفة القرار.

لقد اعتادت الولايات المتحدة أن تدير الصراعات من موقع المتحكم، تُهدد فتُطاع، وتضغط فتُستجاب مطالبها، لكنها في هذه اللحظة تبدو وكأنها تعيد حساباتها، بعدما تحولت الضربة العسكرية من أداة ضغط إلى مخاطرة غير محسوبة، قد تفتح أبوابًا لا يمكن إغلاقها بسهولة.

في الحالة الإيرانية، لم تعد المعادلة كما كانت، فـ إيران، رغم سنوات الحصار والعزلة، لم تنكسر، بل أعادت بناء أدواتها بشكل تدريجي، ونجحت في فرض معادلات ردع جديدة، ومع تصاعد التوتر، ظهرت حدود القدرة الأمريكية على فرض «الحماية الكاملة» لحلفائها، وهو ما ألقى بظلاله على صورة النفوذ الأمريكي في المنطقة.

تصريحات ترامب، في هذا السياق، تعكس إدراكًا واضحًا بأن أي مواجهة مفتوحة قد تتحول إلى «مستنقع استنزاف» لا يمكن التحكم في نتائجه، وهذا يعيد إلى الأذهان تجارب سابقة، حين تحولت القوة العسكرية من أداة حسم إلى عبء استراتيجي ثقيل.

الأخطر من ذلك أن هذا التراجع النسبي لا يُقاس فقط بالنتائج الميدانية، بل بتأثيره النفسي على معادلة الردع، فحين تُختبر القوة ولا تُستخدم، أو تُستخدم بحذر مفرط، فإن الرسالة التي تصل إلى الخصوم هي أن «مهابة القوة» لم تعد كافية وحدها لفرض الإرادة.

ومن هنا تتشكل ملامح التحول، إذ لم تعد الولايات المتحدة قادرة على خوض حروب إقليمية واسعة بنفس السهولة السابقة، ليس بسبب ضعف عسكري، بل بسبب تعقيد البيئة الاستراتيجية وتشابك المصالح الدولية.

وبهذا المعنى، فإن ما يجري لا يمكن وصفه بهزيمة عسكرية مباشرة، بل هو تحول في قواعد اللعبة. الولايات المتحدة لم تُهزم في معركة، لكنها وجدت نفسها أمام واقع جديد يفرض عليها تجنب المعركة من الأساس.

هل اختارت واشنطن التراجع، أم أُجبرت عليه؟

الإجابة تكمن في المنطقة الرمادية بين الاثنين، فالدول الكبرى لا تعلن هزائمها، لكنها تُعيد حساباتها عندما تدرك أن كلفة المواجهة تتجاوز مكاسبها، وهذا ما تعكسه لغة التصريحات الأمريكية الأخيرة: تهدئة محسوبة، ورسائل مزدوجة، وميل واضح لتغليب المسار التفاوضي على الخيار العسكري.

في ظل هذا التحول، يتغير شكل النظام الدولي تدريجيًا. لم يعد العالم أحادي القطبية كما كان، بل يتجه نحو توازنات أكثر تعقيدًا، حيث تتحرك قوى كبرى بثقة أكبر، وتُعيد الدول الإقليمية صياغة أدوارها.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية الدور المصري، الذي حافظ على قدر من التوازن والهدوء الاستراتيجي، ما يمنحه مساحة أكبر للحركة في بيئة دولية مضطربة، ويؤهله ليكون عنصر توازن مهم في إعادة تشكيل خريطة النفوذ في المنطقة.

ما نراه اليوم ليس سقوطًا أمريكيًا، بل لحظة مراجعة تاريخية، لحظة انتقلت فيها واشنطن من موقع الفاعل المطلق إلى طرف يحسب خطواته بدقة، ويتجنب الانخراط في معارك قد تتحول إلى مستنقع مفتوح.

وبين «القدرة» و«القرار»، تتحدد ملامح المرحلة القادمة… حيث لا تسقط القوة فجأة، لكنها أحيانًا تختار أن تتراجع، حين تدرك أن الاستمرار في التقدم قد يكون بداية الغرق.

اقرأ أيضاًالحرس الثوري الإيراني يبدأ تنفيذ الموجة 77 من عملية «الوعد الصادق»

إيران: لم نجر أي محادثات مع أمريكا.. وشروط إنهاء الحرب ومضيق هرمز لم تتغير

هدفها التلاعب بأسواق النفط.. رئيس البرلمان الإيراني ينفي إجراء أي محادثات مع أمريكا

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts