في زمنٍ باتت فيه الكلمة مسؤولية قبل أن تكون مهنة، يخرج علينا كاتبٌ اتخذ من الإساءة نهجاً، ومن الجدل وسيلةً لافتعال حضورٍ لا يصنعه فكر ولا يثبته مضمون. كاتبٌ لم يعد اسمه غريباً على سجلات التجاوز، يضيف إلى تاريخه إساءة جديدة، موجهة هذه المرة إلى مصر، البلد الذي استضافه وأطعمه، فإذا به يرد الجميل تشويهاً، ويتخذ من قلمه أداةً للانتقاص، وهو أبعد ما يكون عن امتلاك أهلية النقد، في تعبيرٍ عن سوء فهمٍ لدور الكاتب والمثقف الذي يُفترض أن يكون قدوة، لا أن يفتخر بسرديات تضعه في غير موضع الاحترام.
نحن، إذ نقرأ هذا النص الذي يقدمه صاحبه بوصفه نقداً اجتماعياً، لا نقف أمام خللٍ في المجتمع بقدر ما نقف أمام اعترافٍ صريح يكشف حدود تجربته الشخصية التي اختارها لنفسه. فهو يقر، دون مواربة، أنه في عام 1971، كان يقيم احتفالاً بعيد ميلاده كل أربعة أيام طوال شهرٍ كامل، مستعيناً بمن يورد له الجميلات والراقصات. وهذا الاعتراف، الذي يسوقه باعتزاز، لا يفضح مجتمعاً، بل يكشف نمط حياةٍ تبناه بإرادته، ثم يحاول إسقاطه على غيره. فبأي حقٍ يجعل من تجربته الخاصة معياراً يُحاسِب به الآخرين؟ وكيف تتحول سيرة كهذه إلى مرجعيةٍ لنقد مجتمعٍ بأكمله؟
ثم يسرد واقعة تضع القارئ أمام إدانةٍ أخلاقية صريحة لا لبس فيها، إذ يقر بأن لديه عاملة من المنوفية، تلك المحافظة المصرية العريقة المعروفة بأصالة أهلها وكرامة بناتها وسمعةٍ راسخة في العفة والاحترام، وأنه طلب منها صباحاً قبلة، فلما رفضت ولجأت للشكوى، سعى إلى احتواء الموقف بالمال، مدعياً المزاح. وهذا السرد، في جوهره، ليس حكاية عابرة، بل اعترافٌ صريح بمحاولة تحرّش، مقرونةٍ برشوةٍ لإسكات الشكوى، وهو ما يكفي بذاته لوضع صاحبه في موضع مساءلة أخلاقية قبل أي اعتبار قانوني آخر.
والمفارقة أنه يورد هذا الاعتراف بخفة، ثم يتجه لاتهام مجتمعٍ كامل بالانحطاط، متناسياً أن من يقرّ بمثل هذا السلوك هو آخر من يملك حق إصدار الأحكام. فأي منطقٍ يحول واقعةً كهذه إلى مادةٍ للسخرية؟ وكيف يستقيم لمن يعترف بتجاوزٍ كهذا أن ينصب نفسه ناقداً لأخلاق الآخرين؟ ومن هنا يتضح بجلاء أن الخلل ليس في المكان، بل في صاحبه الذي يصحب أخلاقه حيثما حلّ وارتحل.
فالأوطان لا تُعرِّف زائريها، بل تكشفهم، فمن يدخل بلداً ضيفاً، فإنما يراه بعين ما يحمل في داخله، فمن ألفت نفسه المراقص لم يرَ إلا أضواءها، ومن قصد العلم اهتدى إلى المتاحف والمكتبات والجامعات، ومن طلب الفن ارتاد المسارح، ومن تعلّق قلبه بالعبادة لزم أبواب المساجد.فالبلد واحد، لكن الوجوه التي يُرى بها تختلف باختلاف بوصلة الأخلاق والطباع، فليس في المكان عيب، بل العيب في عينٍ تعجز أن ترى إلا انعكاسها.
ثم يتجرأ الكاتب على استدعاء محطات من تاريخ مصر، مستخدماً توصيفاً صادماً حين شبّه أحداثاً بعينها بأنها «بطشٌ كجيش فرعون بقوم موسى»، وهو تعبير يتجاوز حدود التحليل إلى إيحاءٍ جارح ينطوي على انتقاصٍ لا يليق برمزية الدولة وتاريخها. ولا يقف عند ذلك، بل يستحضر تعبير «أبو الأنوار» في إشارة إلى الرئيس الراحل أنور السادات، في طرحٍ يفتقر إلى الدقة ويعمد إلى تسطيح سياقاتٍ تاريخية معقدة، ثم يمضي إلى استدعاء أزمات الرز والسمن والكبريت والغاز، مقدماً إياها وكأنها سمة دائمة، في تعميمٍ انتقائي يتجاهل أن مثل هذه الظروف مرّت بها دول أخرى كثيرة في مراحل تأسيسها، بل إن دولًا بعينها في تلك المرحلة لم تكن تعرف طريق الغاز ولا ذاقت طعم السمن. والقراءة المنصفة لا تُبنى على اجتزاء لحظات العسر وتعميمها، بل على فهم السياق العام بكل ما فيه من تحديات ومسارات تطور.
وتزداد المفارقة وضوحاً حين يصدر هذا الطرح عن كاتب يعترف، في السياق ذاته، بأنه كان يعيش في مستوى مختلف تماماً، قادراً على تأمين احتياجاته عبر قنواتٍ غير رسمية وبكلفة أعلى، ثم يتصدّر للحكم على معاناة مجتمع بأكمله. وهي زاوية نظر تكشف تناقضاً صارخاً، وتُضعف أي ادعاء بالموضوعية، إذ لا يستقيم أن يكون المرء خارج التجربة، ثم يقدّم نفسه معياراً للحكم عليها.
ويبلغ الخطاب مستوى أكثر إشكالاً حين يتناول وفاة الليثي ناصف، قائد الحرس الجمهوري، فيقول: «لكن يشاء السميع العليم أن يموت بظروف غامضة عقب سقوطه من شرفة شقته في الطابق الحادي عشر في أغسطس عام 73، في نفس البرج الذي سقطت منه الفنانة الراحلة سعاد حسني»، رابطاً بين حادثتين لا رابط بينهما، بأسلوب يوحي بالغموض ويفتح باب التكهنات دون أي سند.وهذا النمط من الطرح لا يندرج ضمن النقد، بل يقوم على تلميحات مسمومة تستهدف إثارة الشكوك وتشويه صورة مؤسسات الدولة، مستبدلاً التحليل بالإيحاء، والحقيقة بالظن.
وعقب هذا السرد المليء بحكايات الراقصات، ووقائع التحرّش، والتلميحات المغرضة، ينتقل فجأة ليقترح على وزير الخارجية الكويتي إنشاء مجلسٍ استشاري للسفراء المتقاعدين، انتقالٌ يكشف خللاً في منطق الطرح قبل مضمونه، وكأن الإساءة للآخرين طريقٌ مشروع لطلب الحضور في الشأن العام. فكيف يُؤتمن على المشورة من اختلّ ميزانه الأخلاقي في حياته الخاصة؟ ومن أين تُستمد المصداقية لمن لم يحترم تاريخ البلد الذي استضافه، ثم يتقدّم ليقدّم النصح لدولةٍ عُرفت برصانتها مثل الكويت؟
ويبلغ مقاله ذروة الإساءة حين ينحدر إلى تلميحٍ جارح يصوّر المصريين، ويُقحم السياح في هذا المشهد، وكأنهم يأكلون لحوم الكلاب، في إسقاطٍ خبيث لا يمت للنقد بصلة، بل يكشف رغبةً صريحة في التشويه. وهو يتناسى أن من يحدّق في الأوطان بعين الانتقاص لن يرى إلا ما يوافق هواه.
أما وصفه المواطن المصري بأنه مقهور، فليس توصيفاً لواقع بقدر ما هو انعكاسٌ لضغينةٍ كامنة، فالمصريون، عبر تاريخهم، لم يقهرهم غازٍ، ولم تنكسر إرادتهم أمام أعنف التحديات، بل ظلوا شعباً يعرف كيف ينهض كلما اشتدت عليه المحن.
فحين يختل ميزان الكلمة، لا تُسيء إلى الأوطان، بل تفضح أصحابها، وتبقى الأوطان أكبر من أن تُختزل، وأبقى من أن تُنال.
نسأل الله العلي القدير أن يحفظ مصر، درة العروبة وحصن الإيمان، وأن يديم عليها نعمة الأمن والاستقرار، فهي أم الدنيا التي لا تزيدها الإساءات إلا عزاً.
ونسأله سبحانه أن يحفظ الكويت الغالية أميراً وحكومة وشعباً، أهلها الأوفياء الذين لا يرضون أن تنسب إليهم كتابات مسيئة. ونسأله جل شأنه أن يحفظ دول الخليج كافة، ويجمع كلمتها على الخير، ويكف عنها شر كل قلم مأجور.
اقرأ أيضاًوزير الخارجية يحذر من دفع المنطقة إلى فوضى شاملة غير محسوبة العواقب
وزير الخارجية يواصل اتصالاته المكثفة مع الأطراف الدولية لخفض التصعيد بالمنطقة
مصر تواصل جهودها بالتعاون مع الشركاء لخفض التصعيد في الشرق الأوسط








