من فيتنام إلى اليوم: لماذا لم يعد الشارع الأمريكي يوقف الحروب؟
حين يصمت الشارع: هل فقدت الديمقراطية الأمريكية قدرتها على تصحيح مسارها؟
في لحظة تبدو فيها الولايات المتحدة في ذروة تفوقها العسكري والتكنولوجي، يتكشف مشهد داخلي مرتبك، أقرب إلى دولة تبحث عن توازنها المفقود.وبينما تتصاعد الدعوات لخروج الشارع الأمريكي اليوم، يفرض سؤال نفسه بإلحاح: هل ما زال لهذا الخروج قيمة حقيقية في التأثير، أم أنه بات مجرد فعل رمزي يعكس الغضب دون أن يغيّر مسار القرار؟
عودة دونالد ترامب إلى الواجهة واختياره مرتين ليست مجرد واقعة انتخابية، بل تعبير سياسي كثيف عن تحوّل عميق في مزاج الناخب الأمريكي وعن أزمة ثقة تضرب صميم النموذج الأمريكي.
لم يصعد ترامب بوصفه رجل دولة تقليدي، بل بوصفه تعبيرًا عن غضب اجتماعي متراكم. على مدى عقود، تآكلت الطبقة الوسطى وتراجعت الصناعات المحلية، في وقت أظهرت فيه استطلاعات الرأي تراجعًا ملحوظًا في ثقة الأمريكيين بالمؤسسات السياسية والإعلامية. في هذا السياق، تحوّل التصويت إلى أداة احتجاج ضد العولمة غير المتوازنة وضد نخب بدت بعيدة عن هموم الداخل. اختيار ترامب مرتين لا يعكس اقتناعًا كاملًا بقدر ما يكشف عن عجز البدائل عن استعادة الثقة.
ليست المسألة أن الولايات المتحدة تتراجع كقوة عالمية، بل أنها تواجه مفارقة تاريخية: تفوق خارجي يقابله تآكل داخلي. هذا النمط ليس جديدًا في التاريخ الإمبراطوري، لكنه في الحالة الأمريكية أكثر تعقيدًا بسبب طبيعة نظامها القائم على توازن دقيق بين المؤسسات، وهو توازن بات تحت ضغط غير مسبوق من الاستقطاب الحاد.
التحول نحو الشعبوية لم يأتِ من فراغ، بل من تراجع الثقة في الأحزاب والإعلام. ومع صعود بيئات إعلامية مغلقة، لم يعد هناك رأي عام موحّد، بل جماهير متفرقة تعيش داخل فقاعات معلوماتية منفصلة. في هذا المناخ، لم يعد المهم دقة الخطاب بقدر قدرته على التعبئة، وهنا برز ترامب كأحد أبرز من فهم قواعد هذه المرحلة.
في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، شكّلت حرب فيتنام نموذجًا لضغط شعبي واسع، مدعوم بإعلام تقليدي موحّد نسبيًا ونظام تجنيد إجباري جعل الحرب تمسّ المجتمع مباشرة. أما اليوم، فالوضع مختلف جذريًا: جيش محترف، إعلام مجزأ، واقتصاد يفرض أولويات معيشية ضاغطة، ما يقلل من قابلية الشارع للتحرك الواسع.
ورغم تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، لا يبدو أن الشارع الأمريكي يمتلك الزخم الكافي لفرض إيقاعه على القرار السياسي. بل إن هناك إدراكًا متزايدًا داخل بعض الأوساط الأمريكية بأن الانخراط في صراعات مفتوحة قد يرتبط بحسابات تحالفات معقدة، تتجاوز أحيانًا المصالح المباشرة للمواطن. وفي هذا السياق، يتردد في النقاش العام تساؤل حساس حول مدى تأثير حلفاء واشنطن—ومنهم إسرائيل—في توجيه بعض مسارات التصعيد، وهو طرح يعكس حالة شك أكثر مما يعكس إجماعًا.
السؤال الذي تأخر كثيرًا: هل يستطيع الشارع الأمريكي أن يوقف حربًا إذا اتسعت؟ التجربة تشير إلى أن ذلك ممكن، لكن بشروط غير متوفرة حاليًا: رأي عام موحد نسبيًا، قيادة سياسية بديلة، وإعلام قادر على خلق سردية جامعة. بدون هذه العناصر، يتحول الاحتجاج إلى فعل رمزي لا يغيّر مسار القرار.
أما الرهان على إسقاط ترامب عبر الغضب الشعبي، فيظل معلقًا على قدرة هذا الغضب على التحول إلى مشروع سياسي منظم. فالرجل الذي صعد على موجة السخط، قد يجد في الفوضى بيئة مناسبة لإعادة إنتاج نفسه، لا العكس.
السخرية أن الدولة التي قدّمت نفسها كحاضنة لحرية التعبير، تواجه اليوم معضلة مختلفة: ليس غياب الاحتجاج، بل تآكل قدرته على التأثير. لم يعد الصمت موقفًا سلبيًا فقط، بل أصبح في حد ذاته مؤشرًا على أزمة أعمق—أزمة ثقة في جدوى الفعل السياسي ذاته.
إن أخطر ما تواجهه القوى الكبرى ليس الغضب الشعبي، بل لحظة يفقد فيها هذا الغضب إيمانه بقدرته على التغيير. عندها، لا تسقط الأنظمة تحت ضغط الشارع… بل تتآكل ببطء من الداخل.
محمد سعد عبد اللطيف
كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية









