هالة فاروق
د.هالة فاروق
تتعرض الإسكندرية منذ سنوات لظاهرة انهيار المباني، فهل ترجع أسبابها إلى غضب الطبيعة أم إهمال البشر؟!
في دراسة أجراها مركز الإنسان والمدينة للأبحاث الإنسانية والاجتماعية – مؤسسة مصرية مستقلة، مسجلة وفقًا للقانون المصري كشركة استشارات وأبحاث وتدريب – بعنوان الإسكندرية بين الانهيار العمراني والضغط البيئي: هل للعوامل البيئية دور في تسريع انهيار المباني؟ تمت مراجعة حالة العقارات في الإسكندرية خلال الفترة من 2020 حتى 2025 فتبين أن تفسير انهيارات المباني لا يمكن اختزاله في عامل واحد كالهبوط الأرضي أو ارتفاع مستوى سطح البحر فقط وإنما هو نتاج تداخل عدة عوامل عمرانية واجتماعية وبيئية، فالغالبية العظمى من المباني المنهارة في هذه الفترة، والتي تجاوزت 76.4% كانت قديمة متهالكة لم تخضع لأعمال صيانة أو ترميم، أو حديثة شيدت بمخالفات إنشائية كإضافة طوابق دون دراسة هندسية أو استخدام مواد بناء غير مطابقة، ومن ثم تعد الهشاشة الإنشائية هي السبب المباشر والأوضح وراء تكرار مشاهد الانهيار في أحياء الإسكندرية المختلفة، لكن هذا لا يعني إغفال المخاطر البيئية والمناخية فلا شك أن هناك عوامل تضيف مزيدًا من الضغط على البنية العمرانية للمدينة ومنها: ارتفاع منسوب مياه البحر، وتزايد معدلات النحر الساحلي، وارتفاع مستوى المياه الجوفية لكن محاولة إظهارها في بعض الدراسات كأسباب رئيسة وحيدة لانهيار المباني ليس دقيقا فالأدلة الإحصائية تشير بوضوح إلى أن ضعف الصيانة، وقدم المباني، وانتشار البناء المخالف، كانت عوامل أكثر مباشرة وتأثيرًا في الانهيارات المسجلة.
أكدت الدراسة أهمية التوازن في قراءة واقع الإسكندرية، فمن ناحية يجب متابعة الأوراق البحثية المنشورة حول تأثيرات التغيرات المناخية لما توفره من تحذيرات علمية مستقبلية لا ينبغي إهمالها، ومن ناحية أخرى يجب التدقيق في المصادر والبيانات الميدانية لتجنب التعميمات أو المبالغات، فالمقاربات التي تركز فقط على العوامل المناخية تتجاهل جذور المشكلة العمرانية والاجتماعية التي تواجهها الإسكندرية، والعكس صحيح.
وأوضحت الدراسة أن الطريقة المثلى للتعامل مع ظاهرة انهيار العقارات تكمن في الجمع بين المعالجة الفورية للأسباب المباشرة، أي إصلاح أو إزالة المباني المتهالكة والمخالفة، ووضع سياسات صيانة أكثر مرونة، مع تبني خطط طويلة المدى للتكيف مع المخاطر البيئية التي قد تتفاقم مع التغير المناخي.
وتحذر الدراسة من تجاهل أي من الجانبين لأن تجاهل أحدهما يعني استمرار فقدان العقارات والأرواح، ويجعل من الإسكندرية مدينة أكثر هشاشة في المستقبل.
