لم تعد الحرب العالمية الثالثة احتمالًا مؤجلًا، بل واقعًا يتشكل بصمت منذ أن أعلنت مبادرة الحزام والطريق عام 2013 بقيادة شي جين بينغ. منذ تلك اللحظة، بدأ العالم ينتقل من نظام أحادي القطبية تقوده الولايات المتحدة إلى مشهد أكثر تعقيدًا، تُعاد فيه صياغة موازين القوة عبر الجغرافيا والاقتصاد لا عبر الجيوش فقط.
المشروع الصيني لم يكن مجرد طريق للتجارة، بل كان إعلانًا بإعادة توزيع النفوذ العالمي، فبدلًا من الممرات البحرية التي سيطرت عليها واشنطن لعقود، ظهرت مسارات برية وبحرية بديلة تمر عبر آسيا الوسطى وروسيا وإيران وصولًا إلى أوروبا. هذا التحول يعني ببساطة تقليص قدرة أمريكا على التحكم في شرايين التجارة العالمية، وهو ما يمثل تهديدًا وجوديًا لنموذج هيمنتها.
في هذا السياق، لم تكن الحرب في أوكرانيا سوى محاولة لقطع هذا الامتداد الجغرافي، خاصة في مناطق حساسة مثل شبه جزيرة القرم، التي تمثل مفتاحًا استراتيجيًا للربط بين الشرق والغرب. لكن روسيا، التي كانت تدرك أهمية هذه المنطقة، سبقت الأحداث وأمّنت سيطرتها عليها، ما أجهض جزءًا مهمًا من هذا المخطط.
ثم انتقل الصراع إلى الشرق الأوسط، حيث ظهرت حرب غزة كمحاولة لإعادة تشكيل المنطقة، وخلق ممرات بديلة تقلل من أهمية قناة السويس، بما يعيد توزيع النفوذ بعيدًا عن مصر. لكن العقدة الأكثر حساسية ظلت في إيران، التي تمثل البوابة الجغرافية الحاسمة لمرور طريق الحرير نحو الغرب.
هنا تحديدًا تتكشف ملامح المعركة الكبرى.
فالحرب على إيران – بشكلها المباشر أو غير المباشر – لم تكن مجرد صراع سياسي أو نووي، بل كانت محاولة لخنق الطريق عند أهم مفاصله. غير أن النتائج حتى الآن تشير إلى عكس ما أرادت واشنطن تحقيقه. بل يمكن القول إن هناك مؤشرات واضحة على فشل أمريكي نسبي في إدارة هذا الملف، وهو فشل يمكن تفسيره بعدة أسباب جوهرية:
– أولًا، الطبيعة الجغرافية لإيران، فهي دولة عصية على الحسم العسكري السريع، تمتد على مساحة واسعة، وتملك عمقًا استراتيجيًا يجعل أي تدخل مباشر مكلفًا للغاية.
– ثانيًا، امتلاك إيران شبكة نفوذ إقليمي غير تقليدية، تجعل أي مواجهة معها ممتدة جغرافيًا، وليست محصورة داخل حدودها.
– ثالثًا، الدعم غير المباشر من الصين وروسيا، اللتين تدركان أن سقوط إيران يعني قطع شريان أساسي في مشروع الحزام والطريق، هذا الدعم لا يظهر في صورة تحالف عسكري مباشر، لكنه يتجلى في مواقف سياسية، وتفاهمات اقتصادية، وتنسيق استراتيجي طويل الأمد.
– رابعًا، الإرهاق الاستراتيجي للولايات المتحدة، بعد سنوات من الانخراط في صراعات ممتدة من العراق إلى أفغانستان، ما جعل قدرتها على خوض حرب جديدة واسعة النطاق محدودة سياسيًا واقتصاديًا.
لكن السؤال الأهم الذي يفرض نفسه هنا: هل كانت إيران مجرد ساحة مواجهة… أم طُعمًا استراتيجيًا؟
هل تم دفع واشنطن – بشكل غير مباشر – إلى الاقتراب من هذا المستنقع، بهدف استنزافها وإضعاف قدرتها على مواجهة التحولات الكبرى التي يقودها الشرق؟
التاريخ يقدم سوابق مشابهة. فقد تورطت قوى كبرى في صراعات بدت في ظاهرها محدودة، لكنها تحولت إلى نقاط استنزاف أنهت هيمنتها. واليوم، يبدو أن السيناريو ذاته قد يتكرر، ولكن بصورة أكثر تعقيدًا، حيث لا توجد معركة حاسمة، بل سلسلة من الضغوط المتراكمة التي تُضعف القوة تدريجيًا.
الأخطر من ذلك أن عدم سقوط إيران لا يعني فقط فشل واشنطن في هذه الساحة، بل يعني فشلها في كسر مسار طريق الحرير، وتعثر مشاريع إعادة تشكيل المنطقة. فبقاء إيران قوية يحافظ على تماسك هذا الامتداد الجغرافي، ويمنح الصين وروسيا مساحة أوسع للمناورة.
وهنا يمكن استدعاء درس التاريخ: بعد العدوان الثلاثي على مصر، لم تكن الخسارة عسكرية فقط، بل كانت بداية انهيار النفوذ البريطاني عالميًا.
اليوم، قد تقود نتائج الصراع الحالي إلى لحظة مشابهة، ولكن هذه المرة على حساب الهيمنة الأمريكية.
إننا أمام عالم يُعاد تشكيله، حيث تتراجع قوة، وتصعد أخرى، وتظهر مراكز جديدة للنفوذ. وفي قلب هذا التحول، تظل مصر مرشحة للعب دور محوري، مستفيدة من موقعها الاستراتيجي، وتاريخها، وقدرتها على التوازن بين القوى الكبرى.
السؤال لم يعد: هل ستتغير موازين القوى؟
بل: من سيتحكم في الطريق… ومن سيُترك خارجه؟
اقرأ أيضاًحزب الله: هاجمنا بمسيرات دبابتي ميركافا في بلدة عيناتا جنوب لبنان
إيران تطلق دفعة جديدة من الصواريخ تجاه القدس ومناطق في وسط إسرائيل
