مقالات

بين الحصار والانفراج.. هل تعود الدبلوماسية من بوابة القاهرة وأنقرة وإسلام آباد؟

لم يعد المشهد الإقليمي يحتمل المزيد من التصعيد، ومع ذلك تتجه الوقائع نحو حافة أكثر خطورة، فبعد انهيار مسار التفاوض الأخير، تتصاعد في الكواليس أحاديث عن استئناف المفاوضات، لكن هذه المرة برعاية ثلاثية تقودها مصر وتركيا وباكستان، وفي موقع لم يُعلن بعد، وكأن الغموض أصبح جزءًا من أدوات إدارة الأزمة، لا مجرد عرض جانبي لها.

هذه الوساطة المحتملة تعكس إدراكًا متزايدًا بأن ترك الصراع مفتوحًا بين إيران والولايات المتحدة لم يعد خيارًا آمنًا، لا إقليميًا ولا دوليًا. فالمواجهة لم تعد محصورة في ملف نووي أو خلاف سياسي، بل تحولت إلى صراع إرادات على شكل النظام الإقليمي ذاته.

في المقابل، يبدو أن خيار حصار الموانئ الإيرانية الذي يلوّح به دونالد ترامب يواجه اختبارًا صعبًا، فالحصار في ظاهره أداة ضغط اقتصادي، لكنه في جوهره إعلان مواجهة بحرية مفتوحة، خاصة مع ارتباطه المباشر بـ مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم.

أي محاولة لخنق إيران عبر البحر تعني، بالضرورة، نقل المعركة إلى المياه المفتوحة، حيث لا قواعد ثابتة ولا خطوط حمراء واضحة. وهنا يصبح السؤال أكثر تعقيدًا: هل الحصار وسيلة ضغط أم بداية فشل جديد يُضاف إلى سجل الإخفاقات العسكرية والسياسية؟

السيناريو الأكثر خطورة لا يكمن في الحصار ذاته، بل في الرد عليه. فإذا قررت طهران توسيع نطاق المواجهة واستهداف الموانئ الخليجية، فإن المنطقة ستدخل مرحلة غير مسبوقة من الفوضى، حينها لن تكون الخسائر محصورة في طرف بعينه، بل ستمتد إلى الاقتصاد العالمي بأسره، وستتحول الموانئ من مراكز تجارة إلى أهداف عسكرية.

دول الخليج، التي سعت لعقود إلى الحفاظ على توازن دقيق بين تحالفاتها الدولية واستقرارها الداخلي، قد تجد نفسها اليوم في قلب التوترات، إذ لم تعد المعادلة قائمة على تبادل المنافع بقدر ما أصبحت مواجهة لمخاطر مباشرة تُفرض عليها في ظل حسابات ومصالح قوى أخرى.

وفي خضم هذا التصعيد، يواصل دونالد ترامب توسيع دائرة خصومه، ليس فقط مع خصومه التقليديين، بل حتى مع رموز دينية عالمية. فقد أثار جدلاً واسعًا بهجومه على بابا الفاتيكان، واصفًا إياه برجل ضعيف، في موقف يعكس توترًا غير مسبوق بين السياسة والدين في لحظة دولية شديدة الحساسية.

هذا التصعيد اللفظي لم يأتِ في فراغ، بل جاء على خلفية مواقف الفاتيكان الداعية إلى التهدئة ورفض الحرب، ما يعكس فجوة متزايدة بين خطاب القوة الذي تتبناه واشنطن، وخطاب التهدئة الذي تحاول قوى أخرى التمسك به.

المفارقة أن العالم، الذي يبدو اليوم أكثر انقسامًا، قد يجد نفسه مضطرًا للعودة إلى طاولة التفاوض، لا رغبة في الحل، بل خوفًا من الانفجار. وهنا قد تلعب الوساطة الثلاثية دور “صمام الأمان الأخير”، إذا ما نجحت في جمع الأطراف حول حد أدنى من التفاهم.

لكن يبقى السؤال الأهم: هل نحن أمام جولة تفاوض جديدة تمهّد لتسوية، أم مجرد هدنة مؤقتة تسبق مواجهة أكبر؟

في لحظة كهذه، لا تكون الإجابات واضحة، لكن المؤكد أن أي خطأ في الحسابات قد يحوّل المنطقة من ساحة صراع إلى نقطة اشتعال عالمية، حيث لا منتصر حقيقي، بل خسائر تتوزع على الجميع.

اقرأ أيضاًأزمة في السماء.. كيف تضرب حرب إيران إمدادات وقود الطائرات؟

«تصرف خطير وغير مسؤول» بكين ترفض التصعيد الأمريكي في الموانئ الإيرانية

جولة مفاوضات جديدة بين أمريكا وإيران قد تُعقد الخميس

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts