خالد محمد علي الخبير في الشأن الإفريقي
خالد محمد علي
تحت شعار الخروج من الأقوال إلى الأفعال، اختتمت فعاليات مؤتمر برلين الثالث لدعم السودان في 16 أبريل 2026، وسط أكبر أزمة إنسانية يشهدها العالم، وتشكيك واسع في القدرة على تحويل التعهدات إلى واقع ملموس، ورغم الآمال المعقودة عليه، فشل المؤتمر في محاسبة قوات الدعم السريع المتهمة بارتكاب جرائم حرب صريحة، وعمليات إبادة جماعية ضد قبيلة المساليت، إلى جانب ذبح المدنيين، وحرق القرى في مدينة الفاشر.
لقد خرج المؤتمر بتكرار ممل لتوصيات تُستخدم كأساس لمنح المتمردين بقيادة حميدتي والشرعيين، وساوى بشكل مجحف بين الجيش، ومؤسسات الدولة التي تمثل الشعب، وبين قوات متمردة استجلبت مرتزقة من جميع أنحاء العالم لسحق هوية السودانيين.
واقتصرت المواقف الدولية على الإدانات اللفظية، متجاهلةً مقتل 15 ألف مدني من المساليت في مدينة الجنينة، وأكثر من 5 آلاف ضحية في الفاشر، بخلاف مجازر السلب والنهب الممنهجة في كل مدينة دخلتها الميليشيات.
وانعقد المؤتمر تحت مظلة الآلية الخماسية التي تضم الأمم المتحدة، الاتحاد الأوروبي، الاتحاد الافريقي، هيئة الايجاد، وجامعة الدول العربية، وتصدرت ألمانيا، فرنسا، بريطانيا، وأمريكا عملية الإعداد والتجهيز للمؤتمر ورسم سياساته، إضافة إلى حضور ممثلي 55 دولة و38 منظمة مدنية، وتقدم الحضور وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك، وجوزيب بوريل مسؤول السياسة بالاتحاد الأوروبي، وأنيت فيبر، وليندا توماس غرينفيلد، وموسى فكي. اتسمت الفعالية بطابع سياسي مدني موسع لتوحيد الجبهة المدنية، بمشاركة رموز كالدكتور عبد الله حمدوك، وعمر الدقير، ومبارك أردول، إلى جانب شبكات نسوية ولجان المقاومة ومجتمعات الطوارئ.
في المقابل، غابت السلطة السودانية ورئيس وزرائها لعدم تلقي دعوة رسمية، مما أثار لغطًا دبلوماسيًّا كبيرًا حول محاولة تدويل الأزمة، وتجاوز سيادة الدولة وإلغائها لصالح قوى محددة.
ورغم ما قيل عن نجاح المؤتمر ماليًّا بجمع تعهدات قدرها 1.5 مليار يورو حيث قدم الفريق الأوروبي 811 مليون يورو، واجه المؤتمر انتقادات لاذعة من بينها فشل المؤتمرات السابقة في تقديم ما اتفق عليه ماليًّا لصالح المحتاجين من أبناء السودان. وتضمنت القرارات تخصيص 25% من المساعدات مباشرة للمنظمات السودانية المحلية بحجة ضمان التوطين ووصولها للأكثر تضررًا.
ومع ذلك، حذرت تقارير الدولية من أن المؤتمر يغرق في البلاغة اللفظية دون تحديد آليات للتنفيذ، ورغم ما جاء في وثيقة خارطة طريق السلام، التي نادت بوقف فوري للعدائيات، وحماية البنية التحتية، وإنشاء آلية للعدالة الانتقالية لمحاسبة مرتكبي العنف الجنسي، لكن دون امتلاك آلية ضغط حقيقية لإجبار الميليشيات على التنفيذ، لتصبح التعهدات مجرد وعود بالمال لا يمكنه الوصول لمستحقيه مع رفض قوات الدعم فتح ممرات آمنة.
ويبقى أن المشاركة في مؤتمر برلين الأخير شكلت محاولة إنقاذ للعملية السياسية في السودان، ولكنها فشلت باستبعاد الفاعلين من الجيش والحكومة السودانية، وتحولت أعمال المؤتمر إلى مجرد نقاشات سياسية تدور بعيدًا عن الميدان والسيطرة الحقيقية للشرعية السودانية على الأرض، وهو ما يطرح سؤالاً حول الهدف من المؤتمر، وما إذا كان الداعون إليه يريدون تسليم الشرطة للمنظمات المدنية في إطار محاولات اختطاف دولة السودان.
