صاغ عالم الاقتصاد الحائز على نوبل هربرت سيمون في عام 1971 مقولته الشهيرة: «إن وفرة المعلومات تخلق ندرة في الانتباه»، كانت تلك المقولة هي حجر الزاوية لما عُرف لاحقا بـ «اقتصاد الانتباه» ولكن، ونحن في منتصف عام 2026، يبدو أن هذا المفهوم قد تآكلت صلاحيته أمام واقع أكثر توحشا، فنحن لم نعد نعيش في عصر التنافس على «وقت» المستخدم، بل في عصر «هندسة إدراكه» وإعادة صياغة وعيه.
المفهوم التقليدي لاقتصاد الانتباه كان يرى في الإنسان «مستهلكا» يتم استدراجه بالمحتوى، أما اليوم، فإن النموذج الجديد يرى في الإنسان «مادة خام» لإنتاج السلوك.. المعادلة الحاكمة الآن لم تعد (محتوى ثم مشاهدة ثم إعلان)، بل أصبحت: البيانات ثم خوارزميات ثم انتباه ثم إدراك ثم سلوك ثم ربح.
القيمة الاقتصادية الحقيقية لم تعد تكمن في أن تشاهد، بل في كيف يتم ترتيب إدراكك لما تشاهد، فالمنصات الرقمية اليوم لا تبيع لك محتوى، بل تبيع «قدرتها على توجيه إدراكك» للعالم، ومن ثم التحكم في قراراتك الشرائية، والسياسية، والاجتماعية.
لقد تحول الربح من إنتاج السلع إلى «إنتاج الإدمان»، فآليات مثل «التمرير اللانهائي»، و«الفيديوهات القصيرة»، ليست مجرد أدوات تصميمية، بل هي هندسة نفسية دقيقة تستهدف «نظام المكافأة» في الدماغ، من خلال ضخ جرعات متقطعة من الدوبامين، حيث تتحول المنصة من أداة للتواصل إلى حاجة قهرية، هذا الاستنزاف العصبي أدى لظهور مصطلح «تعفن الدماغ»، وهو ليس مجرد وصف مجازي، بل تعبير عن حالة من التدهور المعرفي، حيث تضعف الذاكرة العميقة، ويتلاشى مدى الانتباه، ويهيمن «التفكير السريع السطحي» على حساب التفكير النقدي العميق.
في الخارطة الجيوسياسية الحالية، أصبح التحكم في الانتباه مرادفا للقوة السيادية، المنصات التي تهيمن على الفضاء الرقمي (مثل Meta وYouTube وTikTok) تمتلك القدرة على تضخيم قضايا وتهميش أخرى، مما يعني أن «السيادة الوطنية» لم تعد تقتصر على الحدود الجغرافية، بل تمتد لتشمل «السيادة الإدراكية» لمواطنيها.
في مصر، تشير الإحصاءات إلى وصول عدد مستخدمي الإنترنت عبر المحمول إلى أكثر من 92 مليون مستخدم، مع انخراط كثيف لجيل الشباب في وسائل التواصل، ورغم جهود الدولة في الأطر التنظيمية (مثل قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات) ومبادرات التثقيف الرقمي، إلا أن الفجوة لا تزال قائمة بين «التنظيم القانوني» وبين «المناعة الإدراكية».
ولا يمكن للمنظومات التعليمية التقليدية، القائمة على التلقين، أن تصمد أمام خوارزميات تتعلم وتتطور كل ثانية، إننا بحاجة إلى انتقال جذري من «محو الأمية الرقمية» (التي تعلّم كيف نستخدم الجهاز) إلى «التربية الإدراكية» (التي تعلّم لماذا صُمم الجهاز هكذا؟)، المناعة الإدراكية تعني تمكين الفرد من إدارة انتباهه كحق إنساني أصيل، وحماية عقله من «الاستعمار الرقمي» الذي يعيد تشكيل أولوياته الذهنية دون وعي منه.
المعركة الحقيقية في العصر الرقمي ليست على البيانات، بل على العقل البشري، إن استعادة السيادة على الانتباه تتطلب تحالفاً بين تشريعات دولية تحترم أخلاقيات التصميم، وبين وعي فردي يدرك أن كل «نقرة» هي جزء من معركة أكبر لتشكيل وعيه، والسؤال لم يعد: «ماذا سنفعل بالتكنولوجيا؟» بل أصبح: «ماذا تفعل التكنولوجيا بنا.. وبطريقة تفكيرنا؟».
اقرأ أيضاكيف تعزز مدن الشرق الأوسط السلامة في المساحات اليومية؟
مصر تعزز مكانتها كمقصد استراتيجي لخدمات التعهيد.. «إيتيدا» تفتتح مركز الشايع العالمي









