مقالات

من يصنع القرار ومن يرسم مستقبل الإقليم؟ – الأسبوع

د. طارق هلال

لم يعد السؤال المطروح اليوم هو: هل تندلع الحرب؟ بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: من يملك القدرة على تأجيلها ومن قد يشعلها دون قصد؟ فالمشهد الإقليمي لم يعد بسيطًا أو قابلًا للقراءة التقليدية، بل تحول إلى معادلة معقدة تتداخل فيها القوة مع الاقتصاد، والسياسة مع الطاقة، والتصعيد مع التفاوض، في لحظة تاريخية تتسم بقدر كبير من الحساسية وعدم اليقين.

فالمنطقة لم تعد تقف على أعتاب مواجهة عسكرية مباشرة، بقدر ما تتحرك داخل مساحة رمادية دقيقة، تدار فيها الأزمات بحسابات بالغة التعقيد، لم تعد القوة تستخدم للحسم، بل لإرسال الرسائل، ولم يعد التهديد مقدمة للحرب، بل أداة تفاوض، بينما أصبح التصعيد لغة تقرأ أكثر مما تنفّذ، ومع انتهاء المدة الرسمية لوقف إطلاق النار، لم نشهد انفجارًا كما كان متوقعًا، بل إعادة ضبط لإيقاع التوتر، وكأن الأطراف جميعها تدرك أن الانزلاق هذه المرة قد يكون بلا عودة.

في قلب هذا المشهد، يظل مضيق هرمز هو «زر الخطر الصامت»، فإغلاقه لا يمثل مجرد خطوة عسكرية، بل زلزالًا اقتصاديًا عالميًا، ولذلك يتم التعامل معه كأداة ردع قصوى، تلوح بها إيران، وتستعد لها الولايات المتحدة، دون أن يرغب أي طرف في اختبارها فعليًا، لكن اللافت أن ما كان يدار نظريًا، بدأ يتحول تدريجيًا إلى وقائع على الأرض.

حادثة اعتراض السفينة «M.T.Tiffany»، والتي يعتقد أنها كانت تنقل وقوداً من إيران إلى الصين، لم تكن مجرد حادث بحري عابر، بل إشارة واضحة إلى تحول طبيعة الصراع، لم تعد المعركة تخاض عبر الجيوش، بل عبر استهداف سلاسل الإمداد، ولم يعد الضغط عسكريًا فقط، بل اقتصاديًا في المقام الأول. فالممرات البحرية لم تعد مجرد طرق للتجارة، بل تحولت إلى أدوات نفوذ، والنفط لم يعد سلعة، بل سلاحًا يستخدم بحذر شديد.

ورغم هذه المؤشرات، لا يبدو أن المنطقة تتجه نحو حرب شاملة، بل نحو ما يمكن وصفه بـ«التصعيد المحسوب»، حيث يتم رفع مستوى الضغط دون تجاوز الخطوط التي تؤدي إلى الانفجار، وحتى الحوادث المرتبطة بسفن أخرى أو استهدافات محدودة، بما في ذلك ما ينسب إلى أطراف مرتبطة بإسرائيل، تظل في إطار الرسائل المتبادلة، التي تعكس اتساع رقعة الاشتباك دون تحوله إلى مواجهة مفتوحة.

غير أن أخطر ما في هذا المشهد لا يكمن فقط في التوتر الخارجي، بل في طبيعة القرار ذاته. ففي إيران، لا يدار القرار من مركز واحد، بل يتوزع بين مستويات مختلفة، حيث يضع المرشد الأعلى الإطار العام، بينما تتولى مؤسسات الدولة والحرس الثوري تنفيذ السياسات، ما قد يخلق أحيانًا اختلافًا في الإيقاع بين القرار والتنفيذ. ويحدث ذلك في ظل ضغوط اقتصادية غير مسبوقة، مع ارتفاع التضخم، وتراجع في القطاع الصناعي والنقل الجوي، وهي عوامل تجعل أي قرار تصعيدي محفوفاً بمخاطر داخلية كبيرة.

في المقابل، تبدو الولايات المتحدة أكثر وضوحًا من حيث البنية المؤسسية، لكنها ليست أقل تعقيدًا من حيث التوازنات الداخلية، فهناك انقسامات واضحة داخل دوائر صنع القرار، واستقالات لقيادات مؤثرة، منها في وزارة البحرية، إلى جانب حديث متزايد عن صراع غير معلن داخل البنتاجون بين توجهات مختلفة، ومع ذلك، تستمر واشنطن في تعزيز وجودها العسكري في المنطقة، عبر نشر آلاف من قوات البحرية، في رسالة تؤكد أن الردع ما زال قائمًا، حتى في ظل هذا التباين.

ومن هنا يظهر ما يفسر أحيانا على أنه تضارب قرارات، بينما هو في حقيقته الأمر اختلاف في أدوات إدارة الأزمة، لا غيابا لها، فالجميع يتحرك ولكن ليس بنفس السرعة، ولا بنفس الحسابات.

وفي خلفية المشهد، يطفو الحديث عن تقارب إيراني روسي صيني، لكنه لا يرتقي إلى تحالف عسكري صلب، بل يظل في إطار تقاطع المصالح، تنسيق مرحلي، ورسائل سياسية، وتعاون محدود، دون التزام دفاعي مباشر، أما الصين، فتحركاتها تعكس براغماتية واضحة، تركز على حماية المصالح دون الانخراط في صراعات مفتوحة.

إقليميًا، يبقى لبنان في دائرة التأثر بهذه التوازنات، دون امتلاك أدوات تغييرها، حيث يظل استقراره رهينًا بمستوى التهدئة العامة. وفي المقابل، تستمر الولايات المتحدة في إدارة الصراع لا إشعاله، عبر مزيج من الضغط العسكري والرسائل الردعية، دون تجاوز نقطة اللاعودة.

وسط ذلك، تعود قنوات التفاوض للظهور، سواء عبر تحركات أوروبية أو لقاءات محتملة في عواصم مثل لندن، بما يعكس أن المسار الدبلوماسي لا يزال قائماً، وتسهم في احتواء التوتر ومنح الأطراف فرصة لإعادة الحسابات.

وبين هذا وذاك، نتأكد أن ساحة الصراع الحقيقية لم تعد عسكرية فقط، بل اقتصادية بالدرجة الأولى، وقد حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن العالم يواجه واحدة من أكبر أزمات الطاقة في تاريخه، وهو ما يجعل الوقود الورقة الأكثر تأثيرًا في مسار التفاوض.

وفي ظل تهديد الممرات البحرية، بدأت بعض دول الخليج في التفكير في بدائل استراتيجية، من بينها إحياء فكرة مشروع الربط السككي البرى، عبر السعودية والأردن وسوريا وتركيا، كمسار بديل يربط آسيا بأوروبا بعيدا عن نقاط التوتر، وهو ما قد يمثل بداية لإعادة تشكيل خريطة التجارة العالمية، وفي الوقت نفسه، تواصل سلطنة عمان لعب دور هادئ كممر لوجستي وقناة اتصال غير مباشرة، تساعد على احتواء التوتر وفتح مسارات للحوار.

ورغم كل هذا التصعيد، يستمر تمديد وقف إطلاق النار بشكل غير معلن، ليس لأن الأزمة في طريقها للحل، بل لأن كلفة الحرب أصبحت أعلى من أي مكسب محتمل، ولأن الاقتصاد العالمي لم يعد يحتمل صدمة جديدة، ولأن الانقسامات داخل مراكز القرار تمنع أي طرف من اتخاذ خطوة حاسمة.

في النهاية، لا يمكن القول إن المنطقة تتجه نحو حرب، ولا يمكن الجزم بأنها تتجه نحو سلام، نحن أمام حالة وسطى، تدار فيها الأزمات ولا تحل، وتؤجل فيها المواجهات بدل أن تحسم. فالمشكلة لم تعد في من يملك القرار، بل في تعدد من يشارك في صناعته، واختلاف توقيتاته، وتضارب أولوياته.

لا أحد يريد الحرب… لكن الجميع يستخدم أدواتها.

وهنا يبقى السؤال: هل ما زال هناك من يسيطر على المشهد… أم أن الجميع يحاول فقط منع سقوطه؟

اقرأ أيضاًترامب: مضيق هرمز تحت السيطرة الأمريكية.. وإيران تواجه أزمة قيادة

إنزال بالحبال من الطائرات.. صور أمريكية توثق اعتراض ناقلة «ماجستيك إكس» الإيرانية

بين رواية التدمير والواقع الميداني.. كيف احتفظت إيران بنصف قوتها الصاروخية؟

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts