مقالات

سيناء.. ليست ذكرى تحرير فقط بل جغرافيا التاريخ ومهد الرسالات – الأسبوع

في الخامس والعشرين من أبريل من كل عام، تحتفل مصر بعيدها القومي بتحرير سيناء، ذلك اليوم الذي عاد فيه آخر شبر من أرضها الغالية إلى السيادة المصرية، وأصبح عطلة رسمية للدولة تخليدًا لواحدة من أعظم صفحات الكفاح الوطني. لكن الإنصاف يقتضي ألا نختزل سيناء في مناسبة حديثة، مهما كانت عظيمة، لأن سيناء أكبر من أن تُحصر في ذكرى، وأعمق من أن تُختزل في حدث.

سيناء هي الجغرافيا التي صنعت التاريخ، وهي الأرض التي جمعت بين السياسة والدين، وبين الموقع والمصير، وبين الماضي والحاضر، إنها البوابة الشرقية لمصر، والكتلة المتجانسة التي تربط قارتي أفريقيا وآسيا، فكانت عبر العصور جسرًا للتواصل، وممرًا للحضارات، ومسرحًا للأحداث الكبرى.

وتُمثل سيناء نحو 6% من مساحة مصر الكلية، كما تضم ما يقارب 26% من الشواطئ المصرية، بما تملكه من سواحل ممتدة على البحرين الأحمر والمتوسط، لتصبح واحدة من أغنى بقاع الوطن جمالًا وموقعًا وثروةً طبيعية. وعلى شاطئها الغربي يمتد أهم شريان تجاري في العالم، قناة السويس، التي لم تكن مجرد ممر ملاحي، بل شريان حياة يربط الشرق بالغرب ويمنح مصر مكانتها الاستراتيجية الكبرى.

لكن عظمة سيناء لا تقف عند حدود الجغرافيا، بل تمتد إلى عمق التاريخ الديني والإنساني، فقد شهدت أرضها أحداثًا خلدتها الكتب السماوية، التوراة والإنجيل والقرآن. وعلى أرضها كان الوادي المقدس طوى، حيث تجلى الله سبحانه وتعالى لنبيه موسى عليه السلام، وكلمه على أرضها المباركة، عند جبل الطور، في مشهد من أعظم مشاهد الإيمان في التاريخ.

وفي جبال جنوب سيناء، حيث سانت كاترين، تتجاور قداسة المكان مع رهبة الطبيعة، في مشهد يجمع بين السماء والأرض. وعلى هذه الدروب مرت قوافل الأنبياء، فعبرها أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام، وجاء إليها يعقوب وأبناؤه، ومنها مر بنو إسرائيل في قصة الخروج الشهيرة بقيادة موسى عليه السلام.

كما شهدت سيناء الرحلة المقدسة للسيدة مريم العذراء وابنها السيد المسيح عليه السلام، عندما لجآ إلى مصر، فعبرت الأسرة المقدسة من أرضها المباركة، لتصبح سيناء جزءًا أصيلًا من الذاكرة الدينية المسيحية كما هي في الوجدان الإسلامي واليهودي.

إنها أرض الفيروز، وأرض الرسالات، وأرض البطولات. مر بها الغزاة عبر العصور، فكانت الحصن الشرقي لمصر، ومرت منها الجيوش، وكانت دائمًا خط الدفاع الأول عن الوطن. من الهكسوس إلى الصليبيين، ومن الحملات القديمة إلى معارك العصر الحديث، ظلت سيناء عنوانًا للصمود، وشاهدًا على أن مصر لا تُؤخذ إلا من بوابتها الشرقية، ولا تُحمى إلا بيقظة أبنائها.

وفي العصر الحديث، كتبت القوات المسلحة المصرية أعظم بطولات الفداء على رمالها، من نصر أكتوبر المجيد إلى استعادة كامل الأرض المصرية، ثم مواجهة الإرهاب وتطهيرها من قوى الظلام، لتعود سيناء كما كانت وستظل أرض الأمن والتنمية والانتماء.

إن الاحتفال بسيناء في 25 أبريل يجب أن يكون احتفالًا بمعناها الكامل، لا فقط بذكرى التحرير، بل بتاريخها العريق، ومكانتها الدينية، وقيمتها السياسية، ومستقبلها الواعد.فهي ليست قطعة أرض عادت، بل صفحة وطن لا تنتهي، وموقع صنع قدر مصر عبر القرون.

سيناء ليست مجرد أرض على الخريطة، بل روح في وجدان المصريين، وبوابة شهدت تاريخ مصر كله. وهي الأرض التي صدق فيها وعد الله حين قال: «ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين»، فكانت وستظل بوابة الأمن، وأرض السلام، وموطن الكرامة.

تحية إلى سيناء.. الأرض التي مر منها التاريخ، وبقيت مصرية إلى الأبد..

محمد سعد عبد اللطيف، كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية..

اقرأ أيضاًالرئيس السيسي: سيناء ستظل رمزا للصمود وبوابة للأمان وواحة للتنمية والبناء

خبير عسكري: تحرير سيناء نموذج لقدرة الدولة على توظيف القوة في مواجهة التحديات

عاجل| الرئيس السيسي: تحرير سيناء لحظة فارقة في تاريخ الوطن

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts