د. طارق هلال
لم يعد ما يحدث حولنا مجرد أزمات متفرقة، ولا صراعات إقليمية محدودة، بل نحن أمام لحظة تاريخية يعاد فيها تشكيل النظام الدولي بالكامل. عالم ما بعد الحرب الباردة يتآكل تدريجياً، بينما يتشكل نظام جديد لم تتضح ملامحه بعد، لكنه يفرض نفسه من خلال الوقائع على الأرض. في قلب هذا التحول، تتداخل الصراعات الكبرى لتصنع مشهداً واحداً، يبدو متفرقاً في ظاهره، ولكنه مترابط في جوهره.
وفى هذا الإطار يتشكل المشهد الدولى الحالى، حيث تتقاطع الأزمات الكبرى لتعيد رسم موازين القوى العالمية.فالحرب بين روسيا وأوكرانيا لم تعد مجرد نزاع حدودي، بل تحولت إلى اختبار لقدرة الغرب على فرض إرادته، ولقدرة موسكو على كسر هذا النفوذ. حرب استنزاف طويلة تدار بالاقتصاد والعقوبات بقدر ما تدار بالسلاح.
وفي آسيا، تواصل الصين إعادة رسم قواعد الاشتباك حول تايوان، عبر ضغط تدريجي يهدف لفرض واقع جديد دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة مع الولايات المتحدة.
أما جنوب آسيا، فيظل التوتر بين الهند وباكستان نموذجاً لصراع مؤجل، تحكمه حسابات الردع النووي، حيث قد يتحول حادث محدود إلى أزمة واسعة.
وفي شرق آسيا، تستمر كوريا الشمالية في فرض معادلات الردع، بينما تعزز كوريا الجنوبية واليابان تحالفاتهما، لتتحول المنطقة إلى بؤرة توتر متصاعدة.
ويبرز التقارب بين الصين وروسيا كأحد أهم ملامح المرحلة، ليس كتحالف تقليدي، بل كشراكة تستهدف إعادة توازن القوة عالمياً في مواجهة الولايات المتحدة.
وفي هذا السياق، يقف الاتحاد الأوروبي في موقع بالغ الحساسية، بين التزامه بالتحالف مع واشنطن، وتأثره المباشر بتداعيات الحرب، خاصة في ملف الطاقة.
وقد برزت فرنسا كمحاولة لطرح مقاربة أوروبية أكثر استقلالية، تعكس تبايناً داخل أوروبا بين من يريد الاستقلال الاستراتيجي، ومن يفضل البقاء تحت المظلة الأمريكية.
أما في الشرق الأوسط، فتتجسد تعقيدات المشهد بشكل أكثر حدة وتشابكاً. فالعلاقة بين الولايات المتحدة وإيران تقف عند نقطة توازن حرجة: لا حرب شاملة، ولا اتفاق مستقر، بل صراع يدار عبر الوكلاء، وتستخدم فيه الجغرافيا كسلاح، والطاقة كأداة ضغط.
وتبقى فلسطين في قلب المشهد، بينما تمثل سياسات إسرائيل عامل توتر دائم، ليس فقط على المستوى الفلسطيني، بل على مستوى الأمن الإقليمي ككل، في ظل غياب أفق سياسي واضح.
وفي لبنان، يستمر نموذج “الانهيار البطيء”، حيث تتداخل الأزمات الاقتصادية مع التوازنات الإقليمية. بينما يعيش السودان صراعاً داخلياً مفتوحاً يعكس تنافس مراكز القوة، وتظل ليبيا حالة هدوء حذر لا يخلو من التوتر.
وفي العراق، تتجسد حالة التوازن المعقد بين النفوذ الإقليمي والدولي، حيث تحاول بغداد الحفاظ على استقرارها الداخلي، في ظل ضغوط متداخلة، تجعلها ساحة توازن دقيقة بين أطراف متعددة، خاصة في ظل تأثير العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران.
أما اليمن، فرغم تراجع حدة العمليات العسكرية، إلا أنه لا يزال يمثل أحد أكثر الملفات تعقيداً، حيث لم يتحول الهدوء النسبي إلى تسوية سياسية نهائية، ليبقى الصراع قائماً في صورة “هدنة غير مستقرة”، تعكس توازنات إقليمية أكثر من كونها حلاً حقيقياً للأزمة.
أما سوريا، فهي تتجه نحو “تثبيت الأمر الواقع”. لا حل سياسي شامل، ولا عودة كاملة للدولة كما كانت، بل بقاء حالة الانقسام مع محاولات تطبيع تدريجية تعكس قبولاً ضمنياً بالوضع القائم.
وفي الأردن، يتزايد الضغط نتيجة التوازن الدقيق بين الاستقرار الداخلي والتأثر المباشر بما يحدث في الجوار، خاصة في الملفين الفلسطيني والسوري.
أما دول الخليج، فالسعودية تسعى إلى تهدئة الصراعات وإعادة ترتيب الأولويات، بينما تعزز الإمارات وقطر والبحرين أدوارها الاقتصادية والسياسية، بما يدعم الاستقرار ويعزز حضورها الإقليمى.
وقد تبرز مصر كنموذج لدولة تدرك طبيعة المرحلة، وتتحرك وفق حسابات دقيقة، لا تنجرف وراء الاستقطاب، ولا تنعزل عن التأثير. فبين اشتعال الإقليم، واضطراب النظام الدولي، تحافظ مصر على موقعها كركيزة توازن، وقوة قادرة على التأثير في مسارات الأزمات، لا مجرد التفاعل معها. وقد لا تكون الصورة صاخبة، ولكنها عميقة، وقد لا يكون الدور استعراضياً، ولكنه مؤثر. وفي عالم يعاد تشكيله الآن، بهدوء وصراع في آن واحد.
وختاماً: في خضم هذا المشهد العالمي المعقد، حيث تتداخل الصراعات وتتشابك المصالح، لم يعد العالم يدار بقواعد ثابتة، بل بمنطق القوة المرنة وإدارة التوازنات.
وعلى مستوى أعمق، لم تعد الحروب تقاس فقط بالقوة العسكرية، بل بالاقتصاد والطاقة. فالعالم يعيش حالة من عدم اليقين. تضخم، اضطراب سلاسل الإمداد، وصراع على مصادر الطاقة، في وقت تتزايد فيه تأثيرات التغير المناخي، لتضيف بعداً جديداً للصراع حول الموارد.
ما نشهده اليوم ليس مجرد توتر عابر، بل تحول هيكلي في شكل النظام الدولي. تراجع فكرة “القطب الواحد”، وصعود نظام متعدد الأقطاب غير مستقر، وانتقال الصراع من المواجهة المباشرة إلى “إدارة التوازنات”، واستخدام الاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة كأدوات نفوذ. فالعالم يتجه نحو نموذج جديد.لا هيمنة كاملة، ولا شراكة متوازنة بل تنافس مفتوح تحت سقف الردع.
الشرق الأوسط لم يعد مجرد ساحة صراع بل أصبح “مركز اختبار”للنظام الدولي الجديد.صراع القوى الكبرى يدار على أرضه، وتوازناته الداخلية تعاد صياغتها، ودوله تتجه نحو سياسات أكثر استقلالية، والتحالفات لم تعد ثابتة بل مرنة ومؤقتة. والأهم أن المنطقة بدأت تتحول من “ساحة نفوذ” إلى “فاعل يحاول إعادة تعريف دوره”.
فلن يكون السؤال: من كان حاضراً؟ بل: من كان قادراً على الفعل، حين كان التشكيل جارياً؟
ومصر تبدو من الدول التي اختارت أن تكون ضمن صناع هذا التشكيل، لا مجرد متلقية لنتائجه. فالعالم لا يتجه نحو حرب عالمية شاملة، ولا نحو سلام مستقر ل نحو مرحلة انتقالية طويلة، تدار فيها الفوضى حتى يولد النظام الجديد
اقرأ أيضاًمسؤولون باكستانيون: لا خطط لاجتماع أمريكي إيراني قبل التوصل إلى اتفاق
.









