مقالات

كيف تدير واشنطن مواجهتها مع طهران دون حرب؟ – الأسبوع


د. طارق هلال

لم يعد المشهد الدولي يقرأ بمنطق الحروب التقليدية، ولا تفهم أزماته عبر صواريخ تطلق أو جيوش تتحرك فقط، بل أصبح الاقتصاد هو ساحة القتال الأولى، حيث تدار المعارك بصمت وتحسم دون إعلان. في قلب هذا التحول، تبدو المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران وكأنها جزء من لوحة أوسع عنوانها الحقيقي هو الحرب التجارية وإعادة تشكيل النظام العالمي، إذ لم تعد الحرب تخاض بالمدافع، بل بالأرصدة، ولا تُحسم بالمعارك، بل بالزمن.

ما نشهده اليوم ليس حرباً عسكرية مباشرة، بل نموذج متطور من الصراع تستخدم فيه العقوبات الاقتصادية الخانقة، والضغوط السياسية المتصاعدة، والرسائل العسكرية المحسوبة بدقة، إلى جانب معركة إعلامية ونفسية ممتدة. الهدف لم يعد تدمير الخصم بقدر ما أصبح إعادة تشكيل سلوكه وإجباره على القبول بشروط جديدة، وهو ما يعكس تحولًا جوهريًا في فلسفة إدارة الصراعات الدولية.

وفي هذا السياق، لا يمكن فصل ما يجري بين روسيا وأوكرانيا عن بقية المشهد، فالحرب هناك لم تعد مجرد نزاع إقليمي، بل تحولت إلى ساحة لاستنزاف روسيا، ووسيلة لإعادة توحيد الغرب، ورسالة ردع غير مباشرة لإيران. إن الجغرافيا هنا لم تعد حدوداً، بل أداة ضغط، والسياسة لم تعد مواقف، بل إدارة دقيقة لتوازنات ممتدة.

ومع تطور أدوات الصراع، أثبت الاقتصاد أنه السلاح الأكثر فتكا، حيث لم تعد الأسلحة النووية وحدها مصدر الخطر، بل أصبحت الأرصدة المجمدة، والتحكم في النظام المالي، والعقوبات الاقتصادية أدوات قادرة على إخضاع الدول دون إطلاق رصاصة واحدة. غير أن هذا السلاح يحمل في طياته تناقضاً واضحاً، إذ يدفع قوى كبرى مثل الصين إلى البحث عن بدائل تقلل من هيمنة الدولار، وهو ما قد يعيد تشكيل النظام المالي العالمي على المدى البعيد.

ولا يمكن إغفال تأثير السياسة الداخلية الأمريكية، حيث تتحول الأزمات الخارجية إلى أدوات تستخدم في الداخل، فشخصية مثل دونالد ترامب تدرك أن إظهار القوة يعزز الحضور السياسي، وأن إدارة الأزمات قد تعيد ترتيب أولويات الناخب الأمريكي، خاصة في ظل ارتباطه المباشر بقضايا مثل أسعار الطاقة والتضخم والاستقرار الأمني ومع ذلك، تظل المخاطرة قائمة، لأن أي تصعيد غير محسوب قد يتحول إلى عبء انتخابي ثقيل بدلاً من أن يكون ورقة رابحة.

أما إيران، فرغم شدة الضغوط، لم تصل إلى مرحلة الانهيار، بل أظهرت قدرة واضحة على التكيف من خلال بناء شبكات تجارة موازية، وتعزيز شراكاتها مع الشرق، والاعتماد على اقتصاد الظل، وهو ما يجعل الحصار يمثل أزمة حقيقية، لكنه لا يرقى حتى الآن إلى كونه نقطة كسر. وهنا تتضح طبيعة الصراع، فهو ليس صداماً سريعاً، بل عملية استنزاف طويلة النفس.

وفي الخلفية، تتحرك الصين بهدوء استراتيجي، فهي لا ترغب في حرب تعطل تدفق الطاقة أو تهدد استقرار التجارة العالمية، لكنها في الوقت نفسه تستفيد من إضعاف الهيمنة الأمريكية، وتعمل تدريجياً على بناء نظام اقتصادي بديل. إنها لا تصطدم، لكنها تعيد تشكيل قواعد اللعبة بهدوء.

وعلى الجانب الآخر، يقف الاتحاد الأوروبي في موقف معقد، حيث يبدو حاضراً في المشهد لكنه محدود التأثير، متأثراً اقتصادياً بالأزمات، ومرتبطاً أمنياً بالولايات المتحدة، ومنقسماً سياسياً داخلياً، وهو ما يجعله أقرب إلى المتلقي للأحداث منه إلى صانع لها.

أما دول الخليج، فتتعامل مع الأزمة بمنطق مختلف، إذ لا تسعى إلى التصعيد بقدر ما تعمل على احتوائه، مدفوعة بحرصها على استقرار أسواق الطاقة وتجنب كلفة المواجهة المباشرة. لذلك، فإن تحركاتها تنحصر في إدارة القلق أكثر من خوض الصراع، وفي البحث عن التهدئة أكثر من الانخراط في التصعيد.

وفي قلب هذه المعادلة النفطية، يبرز دور الإمارات العربية المتحدة كأحد اللاعبين الأكثر براغماتية، حيث تتبنى سياسة توازن دقيقة بين الالتزام باستقرار الأسواق والحفاظ على مصالحها الاقتصادية، بما يعكس وعياً بأهمية استقرار سوق الطاقة عالمياً. كما يواصل كل من منظمة أوبك وأوبك بلس لعب دور محوري في ضبط إيقاع السوق النفطي، عبر سياسات إنتاج مرنة تهدف إلى تجنب التقلبات الحادة والحفاظ على توازن العرض والطلب في ظل أزمات متلاحقة.

وفي خضم إدارة الأزمات، تعود إلى السطح أدوات قديمة بثوب جديد، حيث تتحول بعض الأحداث المفاجئة ومنها محاولات الاغتيال إلى لحظات فارقة في تشكيل الرأي العام. فسواء كانت تلك الأحداث نتاج خلل أمني حقيقي أو تم توظيفها سياسياً لاحقاً، فإن تأثيرها يتجاوز الواقعة نفسها، ليصل إلى إعادة توجيه الانتباه وصناعة موجات من التعاطف أو الحشد.وهنا لا يكون الحدث هو جوهر اللعبة، بل الطريقة التي يدار بها بعد وقوعه.

وفي زاوية أخرى من المشهد، تبدو إسرائيل كأحد المستفيدين غير المباشرين من إدارة هذا الصراع، حيث تتيح لها الأزمات المتلاحقة إعادة توجيه الانتباه الدولي بعيداً عن ملفاتها، وتعزيز سردية التهديدات الإقليمية، وتوطيد تحالفها مع الولايات المتحدة، إلى جانب تحقيق مكاسب أمنية واستخباراتية، وإن كانت هذه المكاسب لا تخلو من مخاطر التصعيد متعدد الجبهات.

لكن، إذا كانت بعض الأطراف تحقق مكاسب نسبية، فإن السؤال الأهم يظل: من يدفع الثمن؟ والحقيقة أن الخسائر الاقتصادية لا تقع على طرف واحد، بل تتوزع بدرجات متفاوتة. تأتي إيران في مقدمة المتأثرين نتيجة استمرار العقوبات، بينما يتحمل الاتحاد الأوروبي كلفة كبيرة بسبب ارتفاع أسعار الطاقة وتباطؤ النمو. كما تتأثر الاقتصادات الناشئة لبعض الدول، بزيادة تكلفة الاستيراد والضغوط التضخمية، إلى جانب اضطراب سلاسل الإمدادالعالمية.

وهنا يبرز الدور المصري ليس بوصفه متلقياً للأزمة، بل كفاعل يسعى إلى احتوائها داخلياً وتأمين اقتصاده الوطني. فقد عملت مصر على تنويع مصادر الطاقة وتعزيز الاكتفاء النسبي، إلى جانب التوسع في مشروعات البنية التحتية التي تدعم الإنتاج والتصدير، بما يقلل من أثر الصدمات الخارجية. كما تبنت سياسات مالية ونقدية تستهدف امتصاص الضغوط التضخمية والحفاظ على استقرار السوق المحلي.

وفي الوقت نفسه، تستفيد مصر من موقعها الاستراتيجي، حيث تمثل قناة السويس شرياناً رئيسياً للتجارة العالمية، وهو ما يمنحها دوراً محورياً في تأمين حركة التجارة حتى في أوقات التوتر. كما تعمل على تعزيز دورها كمركز إقليمي للطاقة، بما يدعم قدرتها على التكيف مع التحولات في سوق الطاقة العالمي، ولا يقف الدور المصري عند الداخل فقط، بل يمتد إلى التحرك السياسي المتوازن، الذي يسعى إلى دعم الاستقرار الإقليمي وتجنب التصعيد، انطلاقاً من إدراك أن حماية الاقتصاد تبدأ من منع تفاقم الأزمات في محيطه الجغرافي.

ولا تقف الخسائر عند حدود الدول، بل تمتد إلى الأسواق العالمية التي تشهد تقلبات حادة، وإلى الشركات متعددة الجنسيات التي تواجه ارتفاعاً في التكاليف وتراجعاً في الاستقرار. صحيح أن بعض الأطراف مثل الدول المصدرة للطاقة أو بعض القوى الكبرى قد تحقق مكاسب مرحلية، إلا أن هذه المكاسب تظل مؤقتة وغير مضمونة الاستمرار.

في النهاية، ما يحدث ليس مجرد صراع بين طرفين، بل معادلة معقدة تتداخل فيها التجارة والطاقة والسياسة والأمن، لتشكل نموذجاً جديداً من الحروب الباردة، لكنه أكثر تشابكاً وتعقيداً. إنها ليست معركة تحسم بالضربة الأولى، بل صراع طويل يدار بالوقت، وتقاس نتائجه بقدرة الأطراف على التحمل.

ويبقى السؤال الحقيقي الذي سيحدد ملامح المرحلة القادمة: من يستطيع الصمود أطول؟ وليس من يملك القوة الأكبر. لأن المستقبل في مثل هذه الصراعات لا يكتب بالسلاح وحده، بل يصاغ بالصبر، حسم بقدرة الدول على تحمل تكلفة الانتظار حتى النهاية.

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts