مقالات

مالي بين العسكر والطوارق.. تاريخ يُكتب بالدم – الأسبوع

في قلب الساحل الإفريقي، حيث تتداخل الجغرافيا القاسية مع ثرواتٍ باطنية تُغري القوى الكبرى، تقف مالي كواحدة من أكثر بؤر الصراع تعقيدًا في القارة. ليست الأزمة هناك وليدة لحظة انقلاب، بل نتيجة تراكم طويل لصراع مفتوح على الذهب واليورانيوم والممرات الاستراتيجية، جعل من البلاد ساحة تنافس دولي متعدد الطبقات، تتقاطع فيه المصالح وتتصادم فيه الأجندات.

منذ عقود، شكّلت الثروات الطبيعية في الشمال المالي—وخاصة الذهب واليورانيوم—محورًا غير معلن للصراع، حيث اتُّهمت قوى استعمارية سابقة، وفي مقدمتها فرنسا، بالاستفادة من شبكات النفوذ الاقتصادي والأمني لضمان استمرار حضورها في مفاصل الدولة، حتى بعد الاستقلال السياسي. ومع تزايد الرفض الشعبي لهذا النفوذ، بدأت الأرض تميل تدريجيًا نحو انفجار سياسي وأمني واسع.

جاءت الانقلابات العسكرية لتُعمّق هذا المسار، حيث برز الجيش كفاعل سياسي مباشر، رافعًا شعارات «السيادة الوطنية» و«تحرير القرار»، لكنه في الواقع فتح الباب أمام إعادة تشكيل مراكز القوة داخل الدولة. ومع كل انقلاب، كانت بنية السلطة تُعاد صياغتها، لكن دون معالجة الجذور الحقيقية للأزمة في الشمال والحدود الصحراوية المفتوحة.

ومع تراجع الدور الفرنسي، لم يبقَ الفراغ طويلًا. دخلت روسيا بثقلها السياسي والأمني، عبر أدوات متعددة أبرزها الشركات العسكرية الخاصة، في محاولة لملء الفراغ الأمني وموازنة النفوذ الغربي. وفي الوقت نفسه، ظهرت أدوار إقليمية ودولية أخرى بشكل متدرج، من بينها تركيا والإمارات، كلٌ وفق مقاربته الخاصة التي تمزج بين الاقتصاد والأمن والنفوذ السياسي، لتتحول مالي إلى رقعة شطرنج مفتوحة على أكثر من لاعب.

على الأرض، لم يكن المشهد أقل تعقيدًا. ففي الشمال، ظل الطوارق في حالة شد وجذب مع الدولة المركزية، بين اتفاقات سلام هشة وانتفاضات متجددة، بينما استفادت جماعات مسلحة مرتبطة بتنظيم القاعدة وفروعه في الساحل من هشاشة الوضع، لتوسيع نفوذها في مناطق واسعة خارج سيطرة الدولة. ومع الوقت، بدأ تداخل المصالح بين بعض الفصائل المسلحة، بما في ذلك تحالفات ميدانية معقدة بين أطراف من الطوارق وجماعات جهادية، ما زاد من تشابك المشهد الأمني.

في هذا السياق المتفجر، برزت لحظة 25 أبريل كنقطة انعطاف رمزية. ففي ذلك اليوم—ووفق روايات وتقارير متداولة لم تُحسم بشكل نهائي—سقط وزير الدفاع السابق عبد الله كامارا، الذي ارتبط اسمه بالمرحلة الأولى من الانقلاب العسكري، ويُنظر إليه داخل دوائر سياسية باعتباره أحد مهندسي التحول داخل المؤسسة العسكرية، وشخصية لعبت دورًا في إعادة توجيه بوصلة العلاقات نحو موسكو وتقليص الاعتماد على باريس.

هذا الحدث، سواء جرى تأكيده بشكل كامل أو ظل محل جدل، عكس حجم الاضطراب داخل مراكز القرار في باماكو، وأظهر أن الصراع لم يعد فقط بين الدولة والجماعات المسلحة، بل امتد إلى داخل بنية السلطة نفسها، حيث تتقاطع الحسابات العسكرية مع الولاءات الخارجية وإعادة توزيع النفوذ.

إن خطورة المشهد في مالي لا تكمن فقط في تعدد الفاعلين، بل في تشابكهم إلى درجة يصعب معها رسم خطوط واضحة بين الحلفاء والخصوم. فالدولة المركزية تقاتل على أكثر من جبهة، والجماعات المسلحة تعيد تشكيل تحالفاتها وفق الميدان، والقوى الدولية تتحرك وفق مصالح متغيرة لا تعرف الثبات.

وهكذا، يتحول الصراع في مالي إلى حالة دائمة من السيولة السياسية والأمنية، حيث لا تستقر معادلة، ولا تُحسم مواجهة، بل يُعاد إنتاج الفوضى بشكل متواصل، في ظل غياب مشروع دولة قادر على استيعاب هذا التنوع المعقد.

في النهاية، تبدو مالي وكأنها لا تكتب تاريخها بيد واحدة، بل بأيدٍ كثيرة متصارعة، بينما يبقى المواطن هو الثابت الوحيد في معادلة متغيرة، يدفع ثمن حرب لا تنتهي، وتاريخ يُكتب دائمًا بالدم.. !

اقرأ أيضاًمصر تجدد إدانتها للأعمال الإرهابية في مالي.. وتشدد على موقفها الرافض لكافة أشكال التطرف

مالي إلى أين؟.. الساحل يشتعل وتحالفات السلاح تتوسع بين الانفصاليين والقاعدة

مصر تدين الهجمات في مالي.. وتطالب بمكافحة الإرهاب وتجفيف منابع تمويله

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts