د. طارق هلال
منذ اندلاع موجة التصعيد الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران، دخلت المنطقة مرحلة دقيقة يمكن وصفها بـ «الهدنة الحذرة»، حيث تراجعت حدة الاشتباك المباشر، لكن ارتفعت في المقابل وتيرة الاستعدادات والتحركات غير المعلنة. مشهد يبدو هادئاً على السطح، لكنه في العمق يعكس صراعاً يدار بعناية، لا برغبة في الحسم.
في مثل هذه الفترات، يصبح من الطبيعي أن تتحول الجبهات إلى ساحات إعداد وتجهيز عسكري. فالهدنة هنا لا تعني نهاية التوتر، بل تمثل فرصة لكل طرف لإعادة ترتيب أوراقه، من إعادة تموضع القوات، إلى رفع الجاهزية، وصولاً إلى اختبار قدرات الردع. هذا السلوك تمارسه واشنطن وطهران على حد سواء، إدراكاً منهما أن كل هدنة تحمل في داخلها احتمال التصعيدمن جديد.
ضمن هذا السياق، يبرز ما يتداول حول “مشروع الحرية الأمريكي” باعتباره أداة ضغط مركبة، لا خطة حرب تقليدية. فالإدارة الأمريكية تتحرك عبر مسارات متوازية تشمل الضغط السياسي، وتعزيز الحضور العسكري المحدود، والتحكم في مفاصل الاقتصاد المرتبطة بالطاقة والتجارة. الهدف ليس إسقاط إيران، بل إعادة ضبط سلوكها الإقليمي دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
في المقابل، لا تبدو إيران في موقع المتراجع، بل تتحرك من منطلق امتلاكها لأوراق ضغط فعالة، سواء عبر نفوذها الإقليمي أو قدرتها على التأثير في الممرات البحرية الحيوية. طرحها لمبادرات تفاوضية يعكس رغبة في التفاوض، لكن بشروط تحفظ لها مكانتها، لا تفرغها من مضمونها.
الأحداث الأخيرة في الموانئ والسفن، سواء ما يتعلق بحريق بعض السفن جنوب إيران أو التوترات البحرية، تشير إلى نمط متكرر من حروب الظل، فاعلون غير معلنين، وعمليات بلا تبن رسمي، ورسائل تمرر تحت سقف الإنكار.
وفي السياق ذاته، جاء استهداف سفينة تابعة لـكوريا الجنوبية ليؤكد أن التوتر البحري لم يعد مقتصراً على أطراف الصراع المباشرين، بل امتد ليشمل فاعلين دوليين يحاولون إعادة تنشيط حركة الملاحة. هذه الواقعة تعكس تحولاً نوعياً، حيث أصبحت الممرات البحرية مسرحاً مفتوحاً لرسائل الردع، وتؤكد أن أي محاولة لإعادة تدفق التجارة تمر الآن عبر اختبار أمني معقد.
وفي الخليج، لم يكن استهداف البنية التحتية في الإمارات العربية المتحدة أو التوترات القريبة من سلطنة عمان أمراً عشوائياً، بل يعكس محاولة للضغط عبر تهديد شريان الطاقة العالمي، ورفع تكلفة الاستقرار لدى حلفاء واشنطن، دون تجاوز الخط الأحمر الذي قد يشعل حرباً واسعة.
ورغم هذه التطورات، لم تصل تجارة النفط إلى مرحلة الشلل الكامل، لكنها أصبحت أكثر هشاشة. غير أن القراءة الأعمق تكشف أن الأزمة لم تعد أزمة طاقة فقط، بل بدأت تتحول إلى أزمة تجارة عالمية. فاضطراب سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف الشحن، وتأخر زمن النقل، كلها عوامل تضغط على الاقتصاد الدولي بشكل تدريجي.
هنا يبرز دور خفي لكنه بالغ التأثير: شركات التأمين والنقل البحري. فقرارات هذه الشركات، سواء برفع الأسعار أو تقليص التغطية، قد تعادل في تأثيرها قراراً عسكرياً، بل قد تؤدي عملياً إلى تعطيل حركة التجارة حتى في غياب إغلاق فعلي للممرات.
وفي قلب هذا المشهد، تلعب الأطراف غير الحكومية دوراً متزايداً، حيث تعتمد إيران على شبكات ووكلاء لإدارة جزء من الصراع، ما يمنحها مرونة في التصعيد ويعقد حسابات الرد لدى الولايات المتحدة.
ولا يمكن إغفال البعد السيبراني، الذي يعد أحد أخطر أوجه الصراع غير المعلنة. فتعطيل الموانئ أو إرباك أنظمة الملاحة لم يعد يتطلب صواريخ، بل يمكن تنفيذه عبر هجمات رقمية دقيقة، تضرب البنية التحتية دون ضجيج.
أما المسارات البديلة، مثل نقل التجارة عبر قناة السويس إلى موانئ المملكة العربية السعودية ثم استكمالها برياً، فهي حلول ممكنة لكنها ليست محصنة بالكامل، إذ يمكن أن تنتقل إليها الضغوط، ما يعني أن الأزمة قد تتحرك جغرافياً بدلاً من أن تنتهي.
يبقى السؤال الأخطر دون إجابة واضحة: ما هو “الخط الأحمر” الذي قد يحول هذا التصعيد إلى حرب مباشرة؟ غموض هذا الحد يزيد من خطورة المشهد، حيث قد يؤدي خطأ في الحسابات إلى انفجار غير مقصود.
على مستوى القوى الدولية، تتحرك إسرائيل في اتجاه تعظيم مكاسبها، وقد تلعب دوراً محفزاً للتصعيد.في المقابل، تفضل الصين البقاء في موقع المستفيد الاقتصادي، بينما توظف روسيا التوتر لصالح توازناتها الدولية، خاصة في ظل انخراطها في الملف الأوكراني مع أوكرانيا. أما الاتحاد الأوروبي، فيواجه اختباراً صعباً بين احتياجات الطاقة والضغوط السياسية.
داخليًا، يسعى كل من الولايات المتحدة وإيران إلى تحقيق توازن دقيق، فلا واشنطن ترغب في حرب مكلفة سياسياً، ولا طهران مستعدة لتحمل كلفة مواجهة مفتوحة قد تضرب استقرارها الداخلي.
دور مصر والدبلوماسية الهادئة
في هذا الإطار، يبرز دور مصر كفاعل يتبنى دبلوماسية هادئة، تحافظ على التوازن وتدعم الاستقرار، مستفيدة من موقعها الحيوي، خاصة مع أهمية قناة السويس كشريان رئيسي
للتجارة العالمية.
ولا يمكن تجاهل تأثير المزاج الشعبي في المنطقة، حيث يشكل الرأي العام عامل ضغط غير مباشر على صانع القرار، وقد يدفع نحو مواقف أكثر حدة أو أكثر حذراً بحسب تطورات المشهد.
وختاماً: لا يبدو أن المنطقة تتجه نحو حسم قريب، بقدر ما تسير في مسار إدارة صراع طويل النفس، حيث تتداخل الأدوات العسكرية مع الاقتصادية والتكنولوجية، وتظل كل الاحتمالات مفتوحة. وما نراه اليوم ليس حرباً شاملة، بل نظام ضغط معقد، إذا اختل أحد مكوناته، قد يتحول في لحظة إلى مواجهة مفتوحة. وحتى ذلك الحين، ستظل المنطقة تعيش في معادلة دقيقة: هدنة تخفي استعداداً.. وتصعيد لا يريد أن يتحول إلى حرب.
اقرأ أيضاًأكسيوس: ترامب قد يأمر باستئناف الحرب هذا الأسبوع إذا استمر الجمود الدبلوماسي
«حكومة الفجيرة»: حريق بمنطقة فوز للصناعات البترولية جراء استهداف بمسيّرة إيرانية









