طوال الطريق من القاهرة إلى قنا، وعبر مسافة تقارب الستمائة كيلومتر تطويها عجلات الزمن ببطء مقبض، كنت أسترجع سنوات العمر.
في تلك الساعات الطويلة التي تفصل بين صخب العاصمة وسكون الصعيد، مررت فيها عبر بني سويف والمنيا وأسيوط وسوهاج ونجع حمادي أدركت حقاً أن العمر لقطة، شريط طويل من الذكريات كان يمر أمام عيني بوجع الحنين، يختزل تاريخاً من الزمالة والصداقة، حتى وصلت إلى قرية «المعَنّا».
وهناك أمام قبره الذي يسكنه هدوء جلال الموت، وقفتُ أستحضر كل التفاصيل، كان افتتاح المسجد الذي يحمل اسمه، لحظة مهيبة، اختلطت فيها دموع الفراق بعبق السيرة الطيبة.
صليت الجمعة في المسجد وذهبت لقبره نظرتُ إلى شاهد القبر، فلم أرَ مجرد اسم لصحفي أو كاتب، بل رأيتُ تاريخاً يمتد لاربعين عاماً، جمعنا فيها الهمّ الإنساني والمهني، وعرّفت خلالها معدن “محمود بكري”، الصحفي الوطني الخلوق، والإنسان الذي لم تُغيّره المناصب ولا أضواء العاصمة.
أربعون عاماً من المعرفة الإنسانية، توجّتها السنوات الثلاث الأخيرة بعودة التواصل المهني العميق بيننا، كان اللقاء بمثابة تجديد لدماء المهنة في عروقنا، شرفني حينها بثقته، فعهد إليّ بإعداد دراسة لتطوير إحدى القنوات الفضائية الشهيرة، ثم أعقب ذلك بثقة أخرى عبر إعداد دراسة شاملة للمساهمة في تطوير الموقع الالكتروني لجريدة “الأسبوع “.
لم يكن الأستاذ يبحث عن مجرد «تغيير شكلي»، بل كان مسكوناً بهاجس التطوير الحقيقي، والارتقاء بالكلمة لتليق بعقل القارئ ووعي المواطن، لكن الحلم الأكبر، والذروة التي التقت فيها خبراتنا، كان برنامج «الطريق»، وشرفني بإدارة تحرير هذا المشروع الذي لم نكن نعتبره مجرد برنامج تلفزيوني، بل وثيقة وطنية بامتياز.
التقينا وصورنا فيه مع أكثر من مائة شخصية من خيرة عقول مصر، في السياسة، والعسكرية، والأمن، والإعلام، والفن. عملنا مع فريق محترم ومخلص من الزملاء الأساتذة منهم محمد عبد العزيز أحمد هريدي مريم يعقوب ناصر هيكل، وسكبنا في هذا المشروع، خلاصة عمرنا المهني وتجاربنا.
كنا نرى في «الطريق» محاولة جادة لاستعادة قيم الإعلام الحقيقي، الإعلام الذي يبني ولا يهدم، الذي يحترم عقل المشاهد، ويبحث عن الحقيقة المجردة بعيداً عن الغوغائية والإثارة الرخيصة.
كان محمود بكري يؤمن إيماناً راسخاً بأن الإعلام رسالة قبل أن يكون مهنة، وأن الكلمة أمانة ثقيلة سنسأل عنها أمام الله ثم الوطن، كنا ننتظر بشغف وحماس لحظة خروج هذا الجهد الاستثنائي إلى النور ليراه الناس، كان يحلم بالكثير للوطن كصحفي وكاتب وطني ونائب في مجلس الشيوخ وإنسان عاشق للسعي بالخير بين الناس.
ولكن.. جاء قدر الله أسرع من أحلامنا، رحل محمود بكري قبل أن يكتمل المشروع وغيره من أحلامه، رحل وترك في القلب وجعاً لا يهدأ، أدركت في رحلة الذكريات رحلة قطاري، وأمام قبره، أن خسارتنا الإنسانية في فقدان رجل وقامة بحجمه خسارة فادحة.
وقبل أن أغادر قنا، وقبيل بدء رحلة العودة، توجهت إلى مسجد «سيدي عبد الرحيم القناوي» لأؤدي صلاة العشاء، كنا في ليلة النصف من شعبان، تلك الليلة المباركة المفعمة بنفحات السماء والتجليات.
سجدت هناك، وأنا أستحضر مدى الارتباط الروحي والمحبة العميقة التي كانت تجمع محمود بكري، ككثير من أبناء قنا، بهذا المكان الطاهر وعبق الرجل الصالح، في تلك الأجواء النورانية، وسط السكينة التي تغمر المكان، ترحمت عليه، ودعوت له بالمغفرة وأنا أتذكر رحلته مع فعل الخير سراً وعلانية.
غادرت قنا وأنا على يقين أن أحلام محمود بكري ربما تكون قد «تأجلت»، لكنها قطعاً لم تمت، وفي كل مكان أشجار الخير الذي اعتاد زراعتها مازالت تطرح ثمارها المهني والإنساني، لقد زرع في كل من عرفه، نبتاً صالحاً من القيم المهنية والوطنية.
رحل الصديق والأخ والزميل النبيل، وبقيت سيرته تضيء «الطريق»، رحم الله دكتور محمود بكري، وأسكنه فسيح جناته.
اقرأ أيضاً«كنا روح واحدة في جسدين».. مصطفى بكري يستذكر شقيقه محمود في حفل تكريم الأيتام بالمعنى «فيديو»









