مقالات

هرمز ليس الهدف بل النظام العالمي الجديد.. كيف تعيد أزمات الخليج رسم خرائط النفوذ والطاقة والتحالفات؟


د. طارق هلال

لم تعد التطورات المتلاحقة في الخليج مجرد توتر عابر بين الولايات المتحدة وإيران، بل تحولت إلى مشهد أكثر تعقيداً يرتبط بإعادة تشكيل التوازنات الدولية والإقليمية، وسط صراع مفتوح على النفوذ والطاقة والممرات البحرية والتحالفات الجديدة.

فما يجري اليوم لا يمكن قراءته فقط من زاوية التصعيد العسكري أو التهديد بإغلاق مضيق هرمز، وإنما باعتباره جزءاً من مرحلة انتقالية يعاد خلالها رسم شكل النظام العالمي القادم، في ظل تراجع اليقين الدولي، وتصاعد التنافس بين القوى الكبرى، ومحاولات إعادة توزيع النفوذ في أكثر مناطق العالم حساسية.

ومن هنا، يبدو واضحاً أن هرمز لم يعد مجرد ممر بحري، بل أصبح رمزاً لصراع أوسع يتعلق بمن يتحكم في الاقتصاد العالمي والطاقة وخطوط التجارة الدولية. فمجرد الحديث عن غلق كامل لهرمز كفيل بإحداث ارتباك عالمي واسع: كارتفاعات حادة في أسعار النفط والطاقة، اضطراب سلاسل الإمداد، زيادة تكاليف الشحن والتأمين، موجات تضخم جديدة، وتراجع الثقة في استقرار الاقتصاد العالمي.

فالعالم اليوم أكثر هشاشة اقتصادياً مما كان عليه في السابق، وأي اضطراب في شريان الطاقة العالمي ينعكس فوراً على الأسواق والدول والشعوب.

فالولايات المتحدة تدرك أن السيطرة على الممرات البحرية الحيوية لا تزال أحد أهم مفاتيح النفوذ العالمي، خصوصاً في مواجهة الصعود الصيني والروسي المتزايد.

وفي المقابل، تدرك إيران أن قدرتها على التأثير في مضيق هرمز تمنحها ورقة استراتيجية تجعل أي محاولة لعزلها أو خنقها اقتصاديًا مكلفة للعالم بأسره.

وفي خضم هذا المشهد، برزت العقوبات الأمريكية على بعض الشركات الصينية المتهمة بدعم إيران، باعتبارها مؤشراً مهماً على أن الأزمة لم تعد محصورة في الإطار الإقليمي فقط، بل أصبحت جزءاً من الصراع الدولي بين واشنطن وبكين. فالولايات المتحدة ترى أن الصين تحاول توسيع نفوذها في الشرق الأوسط عبر بوابة الاقتصاد والطاقة، بينما تعتبر بكين أن الحفاظ على علاقاتها مع إيران ضرورة استراتيجية مرتبطة بأمن الطاقة ومشروعها العالمي الممتد.

ولم يعد الصراع الأمريكي الصيني يقتصر على التجارة أو التكنولوجيا، بل امتد اليوم إلى النفوذ الجيوسياسي وتأمين مصادر الطاقة والممرات البحرية، وهو ما يجعل الخليج أحد أهم ميادين التنافس الدولي في المرحلة المقبلة.

وهنا تتحول إيران من مجرد دولة تواجه ضغوطاً أمريكية إلى نقطة اشتباك داخل معركة أكبر تتعلق بالنظام العالمي نفسه. وفي الداخل الإيراني، يبدو المشهد أكثر تعقيداً. فبينما تميل بعض دوائر الدولة الإيرانية إلى التهدئة وإدارة الأزمة سياسياً، يتحرك الحرس الثوري بمنطق أكثر تشدداً، يقوم على تثبيت معادلة الردع وعدم تقديم تنازلات تفسر باعتبارها ضعفاً أو تراجعاً، ولعل هذا ما يفسر حالة البطء أو التأخر في الرد الإيراني على بعض مذكرات التفاهم والمبادرات المطروحة، في ظل وجود تيارات داخلية ترى أن التصعيد قد يكون وسيلة لفرض شروط تفاوضية جديدة، كما أن الحرس الثوري لا يتعامل مع التصعيد فقط باعتباره أداة ردع عسكرية، بل كوسيلة للحفاظ على النفوذ الداخلي وترتيب توازنات القوة داخل المشهد الإيراني نفسه، خصوصاً في ظل الضغوط الاقتصادية والاجتماعية المتزايدة.

أما إسرائيل، فتبدو وكأنها تستعد لمرحلة أكثر سخونة. فالتحركات العسكرية ورفع الجاهزية الأمنية والتصريحات المتزايدة تعكس إدراكاً إسرائيلياً بأن المواجهة مع إيران حتى وإن تأجلت أصبحت جزءاً من الحسابات الاستراتيجية القادمة. وتتعامل تل أبيب مع أي تقدم إيراني في الملفات العسكرية أو النووية باعتباره تهديداً وجودياً طويل المدى، لذلك تسعى إلى إبقاء الضغط مستمراً عبر التنسيق مع واشنطن، والتحركات الأمنية والاستخباراتية، وربما الاستعداد لسيناريوهات أكثر تعقيداً.

وتخشى إسرائيل أن يؤدي أي تراجع أمريكي أو انشغال دولي بملفات أخرى إلى منح إيران وقتاً إضافياً لإعادة ترتيب قدراتها الإقليمية والعسكرية، وهو ما يفسر حالة الاستعداد المتصاعد داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية.

وفي المقابل، تتحرك دول الخليج بحذر شديد، فهي لا تريد حرباً شاملة قد تهدد استقرارها الاقتصادي ومشروعاتها التنموية الكبرى، لكنها أيضاً لا ترغب في ترك المنطقة رهينة لتصاعد النفوذ الإيراني أو الفوضى الإقليمية.

ولهذا نشهد تحركات سياسية وأمنية ودبلوماسية متوازنة، تهدف إلى حماية الاستقرار دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة، وفي قلب هذا المشهد، يبرز التحرك المصري الخليجي باعتباره أحد أهم محاولات بناء توازن عربي جديد قادر على حماية الدولة الوطنية ومنع انهيار الإقليم. ويبدو أن القاهرة تتحرك وفق رؤية تقوم على منع انهيار التوازن الإقليمي، مع الحفاظ على فكرة «الدولة الوطنية» باعتبارها خط الدفاع الأخير أمام سيناريوهات الفوضى الممتدة وإعادة تشكيل الخرائط السياسية في المنطقة.

فالتنسيق المصري الإماراتي لم يعد مجرد شراكة سياسية أو اقتصادية، بل تحول إلى صيغة استراتيجية مرتبطة بأمن المنطقة بأكملها. كما أن التحرك المصري العماني يحمل دلالات مهمة، خصوصاً أن سلطنة عمان تمتلك دوراً تقليدياً في إدارة قنوات الاتصال الهادئة مع إيران والولايات المتحدة.

ويبدو أن القاهرة تتحرك بمنطق الدولة التي تدرك أن أي انفجار واسع في الخليج لن يبقى بعيداً عن الأمن القومي المصري، سواء اقتصادياً أو سياسياً أو استراتيجياً. ومن هنا يعود مفهوم «مسافة السكة»، ولكن بصورة مختلفة عن الماضي. فالمرحلة الحالية ليست مرحلة حروب تقليدية واضحة، بل مرحلة توازنات دقيقة، وحروب استنزاف، ورسائل ردع، وضغوط اقتصادية واستخباراتية وإعلامية معقدة.

أما الحديث عن مشاركة مصر بقوات في أي مواجهة محتملة، فيبقى مرتبطاً بحسابات شديدة الحساسية. فالقاهرة تدرك أهمية أمن الخليج باعتباره جزءاً من الأمن القومي العربي، لكنها تدرك أيضاً أن الانخراط المباشر في حرب إقليمية واسعة يحمل تعقيدات هائلة في ظل طبيعة الصراعات الحديثة.

ولذلك يبدو أن الدور المصري الحالي يركز بصورة أكبر على: حماية التوازن الإقليمي، دعم الاستقرار العربي، التنسيق السياسي، وتأمين المصالح الاستراتيجية المرتبطة بالممرات البحرية والطاقة.

وفي الخلفية، تتحرك روسيا والصين بهدوء ولكن بتركيز واضح. فموسكو ترى في أي ارتباك أمريكي فرصة لتعزيز حضورها الدولي، بينما تنظر الصين إلى الخليج باعتباره شرياناً رئيسياً لأمنها الاقتصادي والطاقة، كما أن موسكو وبكين تدركان أن أي تغير في معادلات الخليج لن يؤثر فقط على الطاقة، بل على مستقبل النفوذ الدولي، خاصة مع تراجع الهيمنة الأحادية وصعود عالم متعدد الأقطاب أكثر تعقيداً وتشابكاً.

أما باكستان، فتقف في مساحة شديدة الحساسية، بحكم علاقتها بالخليج، وجوارها لإيران، وثقلها العسكري والاستراتيجي، لذلك تحاول حتى الآن الحفاظ على سياسة التوازن وعدم التورط المباشر.

وفيما يتعلق بالموقف الأمريكي، تبدو واشنطن حريصة على إدارة الصراع أكثر من الذهاب إلى حرب شاملة. فالولايات المتحدة تريد الضغط على إيران واستنزاف أدوات نفوذها، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن أي انفجار واسع أو إغلاق فعلي لهرمز قد يربك الاقتصاد العالمي بصورة تؤثر حتى على الداخل الأمريكي نفسه. ولهذا تبدو الاستراتيجية الأمريكية الحالية قائمة على: الضغط، والردع، وإدارة التصعيد دون الوصول إلى مواجهة مفتوحة غير مضمونة النتائج.

وفي النهاية: قد لا يكون ما نشهده اليوم مقدمة لحرب عالمية شاملة، لكنه بالتأكيد مرحلة يعاد خلالها تشكيل خرائط النفوذ والتحالفات وموازين القوة. فالشرق الأوسط لم يعد مجرد ساحة أزمات متفرقة، بل أصبح أحد أهم مفاتيح النظام العالمي الجديد.وربما تكمن خطورة المرحلة الحالية في أن الجميع يمتلك أدوات التصعيد، لكن لا أحد يمتلك ضمانات السيطرة الكاملة على نتائج الانفجار إذا تجاوزت الأزمة حدود «الردع المتبادل».

ويبقى السؤال الأهم: هل تنجح القوى الإقليمية والدولية في إدارة هذا التحول عند حافة الهاوية أم أن العالم يقترب بالفعل من لحظة إعادة تشكيل كبرى قد تغير قواعد اللعبة بالكامل؟

اقرأ أيضاًحين تُصنع الأزمة.. ويُباع لك الحل

من يصنع القرار ومن يرسم مستقبل الإقليم؟

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts