إعلان عن “صكوك أضاحي لدعم ضحايا الفقر والجوع في إفريقيا” قد يمر مرور الكرام على الكثيرين، وقد يشعر المساهم في هذا النوع من المشروعات الخيرية بالرضا وهو يشاهد عشرات الأفارقة، عبر بث مباشر، يتناولون الطعام ويرفعون أيديهم بالدعاء لمن أرسل لهم ثمن الأضحية. مشهد إنساني مؤثر لا خلاف عليه، لكن المشكلة تبدأ عندما نحاول الاقتراب قليلًا من الأسماء التي تتحرك خلف هذه الحملات، وعندما نبحث في خلفيات بعض القائمين على جمع الأموال، وحقيقة الجهات التي تدير هذه المشروعات تحت لافتات خيرية وإنسانية برّاقة.
عندها فقط تظهر الصورة المختلفة، ونكتشف أن بعض هذه الكيانات يرتبط بأسماء عناصر مصرية هاربة، صدرت ضد عدد منهم أحكام قضائية في جرائم استهداف رجال شرطة داخل مصر، بينما تظهر في كيانات أخرى أسماء وشخصيات مرتبطة بتنظيمات إرهابية مثل “داعش والقاعدة”، وهي التنظيمات التي تتحدث عن إطعام الفقراء في قرية، ثم تمارس القتل والحرق والترهيب في قرى أخرى ترفض الخضوع لنفوذها وسيطرتها.
في التاسع والعشرين من أبريل 2026 أطلقت إحدى الجمعيات حملة إعلانية ممولة عبر موقع “فيسبوك”، تستهدف المصريين في الداخل والخارج، مستخدمة خطابًا عاطفيًا مؤثرًا يقول: “لا تجعل العيد يمر دون أن تُدخل فرحة على قلب محتاج، هناك أطفال ينتظرون قطعة لحم ليشعروا بفرحة العيد، وأسر لا تملك ثمن الأضحية، أنت تستطيع أن تكون السبب، شارك الآن في الأضاحي”.
كلمات صيغت بعناية لاستثارة المشاعر الدينية والإنسانية لدى الناس، وهي الطريقة نفسها التي تتكرر كل عام مع اقتراب عيد الأضحى، لكن اللافت هنا أن اسم مدير الحملة الإعلانية كان معروفًا بالنسبة لي، وهو “ف. خ”، عضو مجلس إدارة الجمعية، والهارب خارج مصر منذ سنوات، والمرتبط بعلاقات تنظيمية مع عناصر إرهابية.
وقبل هذا التاريخ بأيام، وبالتحديد في الرابع والعشرين من أبريل، نشر الرجل نفسه دعاءً عبر حسابه الشخصي يتمنى فيه أن يلحق بأخيه الذي وصفه بـ”الشهيد”. لم يذكر بالطبع أن شقيقه أُعدم تنفيذًا لحكم قضائي في قضية اغتيال مسؤول كبير بجهاز مباحث أمن الدولة عام 1994، ولم يقل لمتابعيه إن “القدوة” التي يتمنى اللحاق بها ارتبط اسمها بعملية إرهابية هزت مصر في سنوات العنف الدامي.
أما سبب كتابة الدعاء فكان منشورًا متداولًا داخل دوائر تنظيم “الجماعة الإسلامية”، يتحدث عن زيارة بعض العناصر لوالدة الإرهابي القتيل، مع كلمات إشادة بالأم “الصابرة المحتسبة”، وبالابن الهارب الذي يعتبرونه “مهاجرًا مطاردًا في سبيل الله”.
وعندما تتابع الحسابات المغلقة الخاصة ببعض قيادات وعناصر الجماعة الإسلامية، تجد عشرات المنشورات المشابهة، التي تعيد إنتاج الخطاب القديم نفسه، وتستخدم التعبيرات ذاتها: “الشهيد”، “المجاهد”، “المهاجر”، “البطل”. وتجد كذلك إعادة نشر لصور وزيارات تمت قبل سنوات لأسر عناصر متورطة في اغتيال الرئيس الراحل أنور السادات، وكأن شيئًا لم يتغير. المفارقة أن بعض هؤلاء كانوا قبل سنوات يتحدثون في وسائل الإعلام عن أخطاء الماضي، وعن مراجعات فكرية، وعن رفض العنف واستهداف الدولة، ثم تعود اللغة القديمة نفسها للظهور، ويعود معها تمجيد الإرهابيين القتلة وتقديمهم باعتبارهم “شهداء”.
وعندما نرجع إلى النشاط الإعلاني للأخ “ف. خ”، نجد إعلانات أخرى لجمع التبرعات تحت عناوين إنسانية مختلفة، منها حملات لتوصيل سلال غذائية للنازحين داخليًا بسبب الحرب في إحدى الدول الإفريقية. الفيديوهات المصاحبة للحملات تبدو مؤثرة، والأطفال يظهرون أمام الكاميرات، والسلال الغذائية توزع وسط دعوات الشكر والامتنان، لكن المتابع الجيد يكتشف بسهولة أن ما يظهر في المقاطع المصورة لا يتناسب مطلقًا مع حجم الأموال التي تصل إلى الجمعية.
في أحد الفيديوهات، لم يتجاوز عدد السلال الغذائية مائة سلة تقريبًا، بينما تتحدث الحملة عن آلاف الدولارات التي جرى تحصيلها من المتبرعين داخل مصر وخارجها، وهنا يصبح السؤال مشروعًا: أين تذهب بقية الأموال؟ ومن يراجع أوجه الإنفاق؟ ومن يضمن أن هذه التبرعات لا يُعاد توجيه جزء منها إلى أنشطة أخرى بعيدة تمامًا عن العمل الخيري؟
المشكلة الحقيقية أن كثيرًا من الناس يتعاملون بحسن نية كاملة، خصوصًا مع انتشار البث المباشر، واستخدام صور الفقراء، وإظهار الذبح والتوزيع بالصوت والصورة، فيتصور المتبرع أنه أدى واجبه الديني والإنساني وانتهى الأمر.
وفي إعلان آخر بتاريخ 26 أبريل 2026 ظهر اسم جمعية يديرها القيادي الإخواني المصري الهارب حسين عباسي، الذي يعلن بشكل واضح نشاط جمعيته في نشر الفكر الإخواني في جنوب إفريقيا وموزمبيق ومالاوي، تحت عناوين دعم المسلمين الجدد ورعاية الفقراء وتقديم المساعدات الغذائية.
ومع اقتراب عيد الأضحى من كل عام تبدأ موجة دعائية واسعة لبيع صكوك الأضاحي، وتتنافس عشرات الجمعيات والمنظمات على جذب المتبرعين عبر حملات ممولة، بينما لا يعرف كثير من أصحاب النيات الحسنة شيئًا عن الخلفيات الحقيقية لبعض القائمين على هذه الكيانات.
بعض هذه الجمعيات يرتبط بعناصر إخوانية هاربة، وبعضها يتحرك في دوائر تنظيم “الجماعة الإسلامية” الإرهابي، بينما توجد كيانات أخرى تعمل في مناطق نفوذ تابعة لتنظيمي داعش والقاعدة في إفريقيا، وتستفيد من العمل الإنساني كغطاء للتمدد والنفوذ واستقطاب السكان المحليين، خاصة في المناطق الفقيرة والنائية التي تعاني غياب الدول وضعف الخدمات.
اللافت أيضًا أن الوجوه التي تظهر في مقاطع الفيديو تكاد تكون متكررة بصورة تثير الانتباه. نفس الأشخاص، ونفس الأطفال، ونفس مشاهد الدعاء للمتبرعين، وكأن هناك قالبًا جاهزًا يعاد إنتاجه كل موسم بهدف التأثير العاطفي على المشاهدين.
وعندما تسأل مواطنًا بسيطًا عن سبب ثقته في هذه الجهات، يجيبك فورًا: “لقد رأيت الذبح بعيني، وشاهدت التوزيع، وهناك بث مباشر، والفقراء يدعون للمتبرعين بالاسم”.
وعندما تسأله: هل تعرف أن بعض من يظهرون في هذه الحملات مرتبط بتنظيمات متطرفة؟ وهل تعلم أن هناك عناصر مطلوبة على ذمة قضايا إرهاب تشارك في إدارة هذه الأنشطة؟ وهل تعرف أن التنظيمات المسلحة في بعض الدول الإفريقية تستخدم العمل الإغاثي لكسب النفوذ والتجنيد والسيطرة على المجتمعات الفقيرة والتربح من أموال التبرعات؟ غالبًا لن تجد إجابة، لأن الصورة التي وصلت إليه كانت دائمًا صورة الذبح والطعام والدعاء فقط.
إنها حقائق مؤلمة تتكرر كل عام مع اقتراب عيد الأضحى، وتستحق الانتباه والتدقيق، خصوصًا في ظل استغلال المشاعر الدينية والإنسانية. ومن حق كل متبرع أن يعرف أين تذهب أمواله، ومن يدير هذه الحملات، وما إذا كانت التبرعات تصل فعلًا إلى مستحقيها أم تتحول إلى وسيلة لدعم شبكات وتنظيمات تستغل الفقر والجهل والصراعات في إفريقيا لتحقيق أهداف أخرى؟!
وفي النهاية، يبقى توجيه التبرعات إلى الجهات المعروفة والموثوقة أمرًا ضروريًا، وفي مصر نفسها آلاف الأسر التي تحتاج إلى الدعم والمساندة، ولدينا مؤسسات وجمعيات خيرية تعمل تحت رقابة واضحة، والأقربون أولى بالمعروف.
