الفن والثقافة

نصف قرن من الحب والخذلان والحزن الأنيق.. هاني شاكر حارس معبد الرومانسية – الأسبوع

في إحدى ليالي شهر أكتوبر عام 1966، أطل على شاشة السينما صبي لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره، غنى أنشودة للشيخ سلامة حجازي، صال وجال أمام الكاميرا، مجسدًا مرحلة الصبا لموسيقار الشعب سيد دوريش، في فيلم يحمل اسمه، بتوقيع المخرج الكبير أحمد بدرخان.

لم يكن الصبي يدرك وقتذاك أن القدر يخبئ له موعدًا مع النجومية، لم يكن يعي أن ملامحه الهادئة، ستتحول فيما بعد إلى واحدة من أكثر «الوجوه الصوتية» حضورًا في الوجدان العربي، لم يكن يتخيل أن صوته، الذي لم يتشكل بعد، سيحمل شحنات العاطفة الجياشة إلى ملايين القلوب، وبمرور سنوات ستة، هلت البشائر، حين تبناه الموسيقار محمد الموجي، ومنحه أغنية «حلوة يا دنيا»، ليقدمها على المسرح، لأول مرة، ديسمبر 1972، فيصفق الجمهور للصوت الواعد، هاني شاكر.

وبرغم نجاح أول إطلالة سينمائية لـ «هاني شاكر»، وتكرار التجربة عدة مرات في وقت لاحق، إلا أنه أدرك أن الكاميرا ليست مكانه الحقيقي، فهو صوت فقط لا يتقن المحاكاة، ولا يُملى عليه سيناريو، وإنما يتغلغل بعفوية من آخر نقطة في أعماق قلبه داخل الكلمة «المنغّمة»، الموزونة بإيقاع الإحساس الصادق، وبرغم تخرجه في مدرستي عبد الحليم وعبد الوهاب، إلا أنه ظل واقفًا في منطقة رمادية على حافة زمنين، زمن كلاسيكي انتهى برحيل العملاقين، وزمن جديد يتشكل أخف، أسرع، وأقل التزامًا بالقواعد.

لم يتشبث هاني بالقالب الكلاسيكي، ولم يكسره، بل خففه، لم يتمرد، ولكنه أيضًا لم يتجمد، حافظ على الأداء الكلاسيكي مع إيقاعات أكثر مرونة وخفة، وهنا تكمن خصوصيته، «ثمانينياته» كانت كاسحة: «حكاية كل عاشق، والحب مالوش كبير»، حتى حين داهمته طفرة التسعينيات، وتغير شكل الأغنية، استطاع أن يقترب من الجمهور الأصغر سناً، دون أن يسقط في هاوية التصنع، لم يتحول إلى «مطرب شاب»، ولكن جعل الشباب يقتربون منه، على طريقته، استطاع البقاء داخل الزمن، دون أن يفقد هويته، ولعل أدلة البقاء كثيرة، أشهرها: بيسموكي القمر، نسيانك صعب أكيد، لو بتحب حقيقي صحيح، غلطة وندمان عليها، ياريتني قابلتك قبل ما اقابل حد، ماتهدديش بالانسحاب، وغيرها.

في الألفية الجديدة، اكتفى هاني شاكر بـ خلع الكرافت من بدلته الأنيقة المهندمة، ولم ينزلق للملابس المهلهلة التي تعجب جمهور المراهقين، في زمن يعتمد على الصدمة، لم يبالغ في الاستعراض، ولم يختلق شخصية مزيفة، ظلت ابتسامته الهادئة وحضوره الرسمي الأنيق الوقور، وملامحه الثابتة، سمات لا تتغير في المشروع الفني للمطرب “ابن الناس” الذي فرض شروطه بـ أن يظل مهذبًا، دون أن يكون ضعيفًا.

نجح المشروع الهاني شاكري، في اختراع الحزن المهذب، بعيدًا عن صراخ كوكب الشرق، ونحيب العندليب، خلق لنفسه ساحة آمنة للبكاء في مجتمع يعتبر دموع الرجل عيبًا، وقرر أن يتألم بـ شياكة، ظل الجنتلمان حتى وهو مجروح.

وبرغم ابتسامته التي لا تفارق وجهه، وبرغم بداياته المبهجة التي بثت المرح في القلوب: «كده برضو يا قمر، بعشق ضحكتك، علي الضحكاية»، إلا أنه في عام 2011، جاءت اللحظة التي كسرت كل المسافات بين الفنان والإنسان، وفاة ابنته دينا، كنقطة فاصلة أعادت تعريف فنه، ليجد الحزن مستقرًا له في طبقات صوته كـ وسيط ناعم أبدي، ربما غنى قبلها للفقد والرحيل، في نبوءات «فضيت علينا الدار، وعيد ميلاد جرحي أنا»، ولكن بعد هذا التاريخ أصبح الفقد هو الذي يغني هاني شاكر، صار صوته جرحًا مسموعًا حتى في لحظات الفرح، بعد أن قرر أن ينزف وحده، دون أن يغني لابنته، أو يحوّلها لمرثية غنائية، وهذا أقصى درجات الوفاء، وأقصى درجات القسوة على نفسه، كأنه قرر أن بعض الأوجاع مقدسة، لا يمكن عرضها أمام الناس.

في مرات نادرة، خرجت بعض الكلمات من «صوته الداخلي»، ومنحها موسيقاه الخاصة، وكأنه كتب صوته ولحّن إيقاعه قبل أن يؤديه، لتخرج أغانٍ من تأليفه وتلحينه، مثل «معاك، ومحتاجلك يا عمري، ولحن أنا مش بعتب عليك»، لم يلجأ فيها للاستعراض التقني، وبقي في المساحة الهادئة البسيطة، المائلة للانكسار، في تواطؤ خفي بين صوت يعرف كيف يحزن، وجمهور يحتاج إلى من يحزن معه.

وإذا كان لكل جيل «ألبومه العاطفي الخاص»، فإن صوت هاني شاكر كان أحد أهم «أرشيفات المشاعر» لأجيال متعددة، وكأنه وضع أغنية سنجل في ألبوم كل جيل، حملت معها الحب، والخذلان والانتظار والرحيل، بنبرة اعتراف هادئة، همست بتجربة شخصية تتماس مع تجارب الملايين، وكأنهم لا يسمعون أغانيه فقط، ولكن يستعيدونها في لحظات خاصة، وكأنها «ذاكرة موازية» لحياة كاملة.

في سبع سنوات «عجاف» دخل طرفًا في «معادلة السلطة» كنقيب للموسيقيين، وصف تلك المرحلة بأنها «غلطة وندمان عليها»، نظرًا لـ رهافة إحساسه، ورقة شخصيته، وتربيته المهذبة، التي لم تعتد الدخول في صراعات، وحينما أعلن التمرد على هدوئه، في 2016، بسبب خوفه على الشباب، ورفضه إقامة حفل كان يظنه مشبوهًا بوصمة عبادة الشيطان، لفريق موسيقى «بلاك ميتال»، قامت الدنيا، ولم تقعد، واضطرته الإهانات لتقديم استقالته التي رفضها مجلس النقابة، بالإجماع، ليرضخ بالعودة مرة أخرى.

وبقدر هدوء ملامحه، بقدر حزم قرارته، فمنع الغناء بنظام «الفلاشة»، في محاولة إعادة الاعتبار للأداء المباشر للفرق الموسيقية الحية، كما قرر إيقاف «شيرين عبد الوهاب» على خلفية «تهكمها» على نهر النيل، في أزمة تم احتواؤها سريعًا، ثم جاءت «الحرب الكبرى» بتقنين أوضاع مغني المهرجانات، وقرار منع «عشرات» من بينهم حمو بيكا، حسن شاكوش، كزبرة، وشطة، في محاولة لإعادة الانضباط والحفاظ على القيم الفنية الأصيلة، ربما لم تكن فقط «معركة ذوق عام»، ولكنها معركة «زمن ضد زمن»، لم يدافع هاني شاكر عن الفن فقط، بل كان يدافع عن شبابه، عن مصر التي يعرفها، ولكن تلك الحروب وضعت أوزارها، على حساب طاقته النفسية، وأنهت مسيرته النقابية في 2022 بإصراره على الاستقالة من منصب نقيب الموسيقيين.

لقب «أمير الغناء العربي»، الذي التصق بهاني شاكر، لم يكن تتويجًا بقدر ما كان «توصيفًا دقيقًا»، فالأمير ليس ملكًا، ولكنه «ابن سلالة فنية»، يحمل جيناتها، وملامحها، ويحافظ عليها، دون ادعاء تأسيس المملكة، كانت استمراريته، ثباته، ابتعاده عن التقلبات والصيحات، سمات صنعت هذا اللقب، فلم يكن الأكثر تمردًا، بل الأكثر اتساقًا، وبين طفل وقف أمام كاميرا لا يعرفها لتجسيد حياة شخص لم يبلغه، وبين شاب وقف على مسرح يحاول أن يوازن بين زمنين، ورجل «ينزف وجعه» ويغنيه، ونقيب يخوض معارك للحفاظ على «الأصالة»، تشكلت سيرة هاني شاكر.

مطلع التسعينيات، صدر له ألبوم «شاور»، تضمن أغنية «اتمدت الإيدين»، قال فيها: «كان وداع فقير ما يليقش بالجراح، ولا بالحب الكبير ولا بالحلم اللي راح»، وبعد ربع قرن، كذبت النبوءة، فكما أدار حياته بكامل الوقار والنظام، تمت «إدارة جنازته» بمنتهى الاحترام، خلا «عزاؤه» من مظاهر الفوضى والعبث التي اعتدنا رؤيتها في السنوات الأخيرة، بفضل البروتوكول المبرم من شعبة المصورين بنقابة الصحفيين، ليخرج مشهد «وداع غني» يليق بقيمة الفنان الكبير.

اقرأ أيضاًتكريما لمسيرته الفنية.. حفل تأبين للفنان الراحل هاني شاكر بدار الأوبرا

لميس الحديدي تودّع هاني شاكر برسالة مؤثرة: «الحب الذي لم يتوقف بعد الرحيل»

مصطفى بكري: ما صدر عن المدعو وجدي العربي بحق هاني شاكر يعبّر عن «حقد دفين»

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts