د. طارق هلال
لم يعد العالم يعيش مجرد خلافات سياسية تقليدية بين القوى الكبرى، بل دخل مرحلة أكثر تعقيداً تتشابك فيها الحسابات العسكرية والاقتصادية والأمنية والتكنولوجية بصورة غير مسبوقة، حتى باتت الأزمات المتفرقة تبدو وكأنها أجزاء من مشهد دولي واحد يعاد تشكيله بعناية تحت ضغط التنافس بين الولايات المتحدة والصين.
وفي قلب هذا المشهد، تتجه الأنظار إلى القمة المرتقبة يومي 14 و15 مايو بين واشنطن وبكين، والتي لا تبدو مجرد لقاء دبلوماسي عابر، بل محطة استراتيجية قد تكشف شكل المرحلة الدولية القادمة، وحدود الصدام أو التفاهم بين القوتين الأكبر في العالم. فالمواجهة لم تعد تدور فقط حول من يمتلك السلاح الأقوى، بل حول من يملك القدرة على التحكم في الاقتصاد العالمي، والطاقة، والممرات البحرية، والتكنولوجيا، وسلاسل الإمداد، وحتى تشكيل وعي الشعوب وإدارة الأزمات الدولية. ومن هنا، تتحول أزمات الخليج ولبنان وأوروبا وآسيا إلى ملفات حاضرة بقوة على طاولة الحسابات الأمريكية الصينية، لأن كل أزمة منها أصبحت جزءاً من معركة النفوذ الكبرى التي يعاد رسمها أمام العالم.
استراتيجية أمريكية جديدة… الإرهاب يتراجع وعصابات المخدرات تتصدر
أحد أبرز التحولات التي بدأت تفرض نفسها داخل الرؤية الأمنية الأمريكية لعام 2026 هو التراجع النسبي لفكرة “الحرب العالمية على الإرهاب” لصالح التركيز على عصابات المخدرات والجريمة المنظمة العابرة للحدود، خصوصًا في مناطق النفوذ اللاتيني. هذا التحول لا يعكس فقط تغيراً في طبيعة التهديدات، بل يكشف أيضاً أن واشنطن باتت ترى أن الخطر الحقيقي لم يعد قادماً فقط من التنظيمات المسلحة التقليدية، وإنما من الشبكات التي تمتلك المال والسلاح والنفوذ والقدرة على اختراق المجتمعات وإضعاف الدول من الداخل دون الحاجة إلى جيوش نظامية. لكن هذا التحول يفتح باباً لأسئلة أكثر خطورة. هل يؤدي تخفيف الضغط على بؤر الإرهاب إلى عودة التنظيمات المتطرفة في مناطق الهشاشة السياسية؟ وهل يمكن أن تستغل بعض القوى الدولية هذا الفراغ الأمني لإعادة ترتيب نفوذها في الشرق الأوسط وإفريقيا وآسيا؟ فالعالم أثبت مراراً أن الفراغات الاستراتيجية لا تبقى خالية طويلاً.
الخليج … أزمة تضغط على واشنطن قبل القمة مع الصين
التوترات المتصاعدة في الخليج لم تعد مجرد أزمة مرتبطة بإيران أو بالملاحة البحرية، بل أصبحت عنصراً مؤثراً في توازنات الصراع الأمريكي الصيني نفسه. فالولايات المتحدة تدرك أن أي اضطراب واسع في الخليج قد يربك الاقتصاد العالمي ويؤثر على أسواق الطاقة، في وقت تحاول فيه واشنطن الحفاظ على تفوقها الاقتصادي أمام الصين. وفي المقابل، تدرك بكين أن استقرار الخليج يمثل مصلحة استراتيجية مباشرة لها باعتبارها أحد أكبر مستوردي الطاقة في العالم، لذلك تسعى الصين إلى الظهور كقوة تميل إلى الاستقرار الاقتصادي والتوازن السياسي، مقابل صورة أمريكية تبدو أحياناً أكثر اندفاعاً نحو الضغوط والعقوبات. ولهذا فإن أزمة الخليج قد تتحول إلى نقطة ضغط حقيقية على الموقف الأمريكي قبل القمة المرتقبة، خصوصاً إذا تصاعدت التوترات بصورة تؤثر على الاقتصاد العالمي أو أسواق الطاقة. فأي ارتباك اقتصادي دولي يمنح الصين مساحة أوسع للمناورة، ويضع واشنطن أمام تحديات إضافية في إدارة ملفاتها الخارجية.
هل تدفع سياسة “الضغط الأقصى” المنطقة نحو مواجهة عسكرية؟
سياسة العقوبات القصوى التي تتبناها واشنطن تجاه إيران تقوم على فرض ضغوط اقتصادية خانقة بهدف إجبار طهران على تغيير سلوكها الإقليمي والنووي. لكن التاريخ السياسي يثبت أن الضغوط القصوى لا تؤدي دائماً إلى الاستسلام، بل قد تدفع الأطراف المحاصرة إلى التصعيد حين تشعر بأن التراجع يهدد بقاءها السياسي والاستراتيجي. ولهذا تبدو المنطقة أمام معادلة شديدة الحساسية. فواشنطن تريد ردع إيران دون الانزلاق إلى حرب شاملة، وإيران تريد إثبات قدرتها على الصمود دون الوصول إلى مواجهة مباشرة قد تكون مكلفة للجميع. ولكن الخطر الحقيقي يكمن دائماً في “سوء التقدير”، لأن أي حادث محدود في الخليج أو البحر الأحمر أو عبر الوكلاء الإقليميين قد يتحول سريعاً إلى مواجهة أوسع تتجاوز حدود المنطقة نفسها.
تحركات دولية لتأمين هرمز… والعالم يخشى انفجار الطاقة
القلق الدولي من اضطراب الملاحة في مضيق هرمز دفع العديد من القوى الكبرى إلى مناقشة ترتيبات أمنية وعسكرية لحماية خطوط التجارة والطاقة. لكن كثيراً من الدول تتحرك بحذر شديد، لأنها تدرك أن الانخراط المباشر في تأمين المضيق قد يضعها داخل مواجهة مفتوحة مع إيران أو داخل صراع دولي أوسع تتداخل فيه المصالح الأمريكية والصينية والروسية. ولهذا يبدو المشهد العالمي وكأن الجميع يريد حماية شريان الطاقة العالمي. ولكن دون التورط في حرب شاملة قد تشعل المنطقة بأكملها.
إسرائيل… من الاعتماد العسكري إلى محاولة الاكتفاء الاستراتيجي
بالتوازي مع هذه التحولات، تشهد الصناعات الدفاعية الإسرائيلية تطوراً متسارعاً يعكس رغبة تل أبيب في تقليص اعتمادها العسكري المباشر على الولايات المتحدة. فإسرائيل لم تعد تركز فقط على استيراد السلاح، بل على تطوير منظوماتها الخاصة في مجالات: الذكاء الاصطناعي العسكري، والطائرات المسيّرة، والأمن السيبراني، والحرب الإلكترونية، وأنظمة الدفاع الجوي. وتدرك تل أبيب أن الحروب القادمة ستكون حروب تكنولوجيا ومعلومات بقدر ما هي حروب ميدانية، ولهذا تسعى لبناء استقلال عسكري نسبي يمنحها حرية أكبر في إدارة صراعاتها المستقبلية.
واشنطن وتل أبيب… إعادة صياغة الشراكة لا إنهاؤها
ورغم هذا التوجه نحو الاستقلال النسبي، فإن العلاقة بين واشنطن وتل أبيب ما زالت تمثل أحد أهم التحالفات الاستراتيجية عالمياً. لكن ما يحدث اليوم هو إعادة تعريف لطبيعة الشراكة بما يتناسب مع التحولات الدولية الجديدة. فالولايات المتحدة تنظر إلى إسرائيل باعتبارها شريكاً تكنولوجياً واستخباراتياً متقدماً في منطقة شديدة الحساسية، بينما ترى تل أبيب أن المظلة الأمريكية ما زالت عنصراً أساسياً في الحفاظ على تفوقها الإقليمي. ولهذا تبدو العلاقة بين الجانبين وكأنها تنتقل من مرحلة “الدعم التقليدي” إلى مرحلة “تقاسم الأدوار الاستراتيجية”.
لبنان … هل يقترب من الاستقرار أم من إدارة الانهيار؟
لبنان يقف اليوم عند واحدة من أخطر المراحل في تاريخه الحديث، ليس فقط بسبب أزمته الاقتصادية والسياسية، بل لأنه أصبح ساحة توازنات إقليمية ودولية معقدة. فأي حديث عن السلام أو الاستقرار في لبنان لم يعد مرتبطاً بالعوامل الداخلية فقط، بل بحجم التفاهمات بين القوى المؤثرة في المنطقة، خصوصاً إيران وإسرائيل والقوى الدولية. ورغم أن هناك إدراكاً دولياً متزايداً بخطورة انهيار لبنان الكامل، فإن ما يبدو مطروحاً حتى الآن ليس “حلا ًجذرياً”، بل محاولة لإدارة الأزمة ومنع تحولها إلى انفجار شامل يهدد شرق الاوسط بأكمله. ولهذا قد نشهد تهدئة مؤقتة أو ترتيبات مرحلية، لكنها لن تكون كافية لإنهاء جذور الأزمة ما لم تتغير المعادلات الإقليمية الكبرى.
اليابان وكوريا الجنوبية … عندما تهتز الثقة في المظلة الأمريكية
في شرق آسيا، يتصاعد الحديث داخل اليابان وكوريا الجنوبية حول ضرورة امتلاك قدرات ردع نووية، وهو تطور يحمل دلالات استراتيجية شديدة الخطورة. فالقلق لم يعد مرتبطاً فقط بكوريا الشمالية، بل بتزايد الشكوك حول مدى استعداد الولايات المتحدة للدخول في مواجهة كبرى دفاعاً عن حلفائها إذا تصاعد الصراع مع الصين.
وهنا يظهر التحول الأخطر. أن العالم بدأ يشهد تراجعاً تدريجياً في الثقة المطلقة بالحماية الأمريكية، وهو ما قد يدفع بعض الدول إلى البحث عن وسائل ردع مستقلة، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام سباقات تسلح جديدة تغير شكل التوازنات الدولية لعقود قادمة.
“هانتا” والخوف العالمي … بين الحقيقة وصناعة الوهم
بعد تجربة كورونا، أصبح العالم أكثر حساسية تجاه أي حديث عن الفيروسات والأوبئة الجديدة، وهو ما جعل ظهور اسم “هانتا” يثير موجة جديدة من القلق العالمي. ولكن المشهد الحالي يكشف أن الأزمات الصحية لم تعد تقرأ فقط من زاوية طبية، بل أصبحت مرتبطة أيضًا بالحسابات الاقتصادية والإعلامية والسياسية. فالعالم يعيش اليوم عصر “إدارة الخوف”، حيث تتحول الأزمات أحياناً إلى أدوات تؤثر على الأسواق والرأي العام والتحالفات الدولية. وهنا يصبح السؤال الأهم: هل تتحول بعض الأزمات الصحية إلى وسائل ضغط وإعادة ترتيب للمصالح الدولية؟ أم أن العالم أصبح فقط أكثر خوفاً بعد تجربة الجائحة الكبرى؟
أوروبا والناتو… بداية الاستقلال الدفاعي؟
الدعوات المتزايدة داخل البرلمان الأوروبي لإنشاء اتحاد دفاعي أوروبي وتقليل الاعتماد على حلف الناتو تكشف أن أوروبا بدأت تعيد التفكير في مستقبل أمنها الاستراتيجي. فالحرب الأوكرانية أظهرت أن القارة الأوروبية، رغم قوتها الاقتصادية، ما زالت تعتمد بدرجة كبيرة على الحماية العسكرية الأمريكية. لكن تغير الإدارات الأمريكية وتبدل الأولويات الدولية دفع بعض الأصوات الأوروبية للمطالبة بقدرات دفاعية مستقلة تضمن للقارة هامشاً أكبر من القرار السيادي، ورغم صعوبة تحقيق هذا الهدف بسبب اختلاف الرؤى بين الدول الأوروبية، فإن مجرد طرح الفكرة بهذا الزخم يعكس وجود تحولات عميقة داخل بنية التحالف الغربي نفسه.
التلويح العسكري الأمريكي… رسائل ردع أم تمهيد لمواجهة؟
التصريحات الأمريكية المتكررة حول “الخيار العسكري” لا تعني بالضرورة أن الحرب أصبحت حتمية، لكنها تعكس استخدام القوة كأداة ضغط سياسي ونفسي واستراتيجي. فالولايات المتحدة تدرك أن التلويح بالقوة يمنحها أوراق تفاوض إضافية، ويبعث برسائل طمأنة لحلفائها، ويضغط على خصومها في الوقت نفسه، ولكن التاريخ يعلمنا أن الإكثار من استخدام لغة التهديد قد يخلق لحظة يصبح فيها التراجع أكثر صعوبة، خصوصاً إذا ارتبط الأمر بالهيبة الدولية وصورة القوة العظمى.
إقصاء الطموحات النووية الإيرانية… الهدف الأعمق للمرحلة المقبلة
بعيداً عن الخطابات السياسية، يبدو أن الهدف الاستراتيجي الأهم بالنسبة لواشنطن وحلفائها يتمثل في منع إيران من الوصول إلى مرحلة امتلاك السلاح النووي. لأن تحول إيران إلى قوة نووية لن يغير فقط موازين القوى في الشرق الأوسط، بل قد يفتح الباب أمام سباق نووي إقليمي واسع يعيد تشكيل المنطقة بالكامل. ولهذا قد تعتمد المرحلة المقبلة على مزيج من العقوبات الاقتصادية، والضغوط الدبلوماسية، والعمليات الاستخباراتية، والردع العسكري. في محاولة لمنع الوصول إلى “اللحظة النووية الحرجة”.
وختاماً: العالم يدخل عصر السيولة الاستراتيجية. ما يحدث اليوم ليس سلسلة أزمات منفصلة، بل ملامح واضحة لمرحلة دولية جديدة تتحرك فيها التحالفات بسرعة، وتتغير فيها الأولويات بصورة غير مسبوقة، وتتداخل فيها الحروب العسكرية مع الاقتصادية والإعلامية والتكنولوجية. فالمعركة القادمة قد لا تحسم فقط في ميادين القتال. بل في الاقتصاد، والطاقة، والتكنولوجيا، والوعي، والقدرة على إدارة الأزمات العالمية. ويبقى السؤال الأخطر: هل تنجح قمة 14 و15 مايو بين واشنطن وبكين في تخفيف حدة الصراع الدولي وفتح باب التفاهمات؟ أم أنها ستكون مجرد محطة مؤقتة تسبق مرحلة أكثر توتراً وصداماً في النظام العالمي القادم؟
اقرأ أيضاًملايين الدولارات.. هل تنجح سياسة «المكافآت مقابل المعلومات» في تقويض نفوذ إيران المالي؟









