د. طارق هلال
إفريقيا.. القارة التي يعود إليها التاريخ من جديد..
لم تعد إفريقيا مجرد قارة تبحث عن التنمية أو المساعدات، بل تحولت إلى مركز ثقل عالمي جديد تتصارع حوله القوى الكبرى، بعدما أدرك العالم أن مستقبل الطاقة والغذاء والتكنولوجيا والمعادن الاستراتيجية قد يحسم داخل القارة السمراء.
فإفريقيا التي تعرضت لعقود طويلة من الاستعمار ونهب الثروات، بدأت اليوم تستعيد أهميتها الجيوسياسية والاقتصادية بصورة غير مسبوقة، في ظل سباق دولي محموم تقوده الولايات المتحدة والصين وروسيا وفرنسا وتركيا وغيرها من القوى الباحثة عن النفوذ والموارد والأسواق الجديدة.
ولم يكن الاهتمام العالمي بإفريقيا نابعاً من البعد الإنساني أو التنموي فقط، بل لأن القارة تمتلك: أكبر احتياطيات المعادن النادرة في العالم، مساحات زراعية هائلة غير مستغلة، ثروات ضخمة من الذهب والغاز والنفط واليورانيوم والكوبالت والليثيوم، كتلة بشرية شابة تمثل القوة الإنتاجية والاستهلاكية القادمة، موقعاً استراتيجياً يتحكم في أهم الممرات البحرية الدولية. ولهذا أصبحت إفريقيا بالنسبة للقوى الكبرى “قارة المستقبل”.
وفي هذا السياق، جاءت القمة الإفريقية الفرنسية التي استضافتها نيروبي لتعكس حجم التحولات الجارية داخل القارة، وحجم التنافس الدولي المتصاعد على النفوذ الإفريقي. ففرنسا، التي تراجع حضورها التقليدي في عدد من دول غرب ووسط إفريقيا خلال السنوات الأخيرة، تدرك أن إفريقيا لم تعد تقبل بالعلاقات القديمة القائمة على النفوذ الأحادي، وأن القارة بدأت تبحث عن شراكات أكثر توازناً تحقق مصالحها الاقتصادية والتنموية.
كما كشفت القمة عن محاولة أوروبية لإعادة التموضع داخل إفريقيا في مواجهة التمدد الصيني والروسي والتركي المتزايد، خاصة مع تصاعد أهمية القارة في ملفات: الطاقة، المعادن النادرة، الأمن الغذائي، الممرات البحرية، الأسواق المستقبلية.
أما بالنسبة لمصر، فإن أهمية هذه القمة لا تتوقف عند حدود المتابعة السياسية فقط، بل ترتبط مباشرة بمستقبل الدور المصري داخل إفريقيا، لأن أي إعادة تشكيل للتحالفات الدولية داخل القارة ستؤثر على: النفوذ الإقليمي، الملف المائي، حركة التجارة، الأمن في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، فرص الاستثمار والتنمية.
كما تؤكد القمة أن إفريقيا أصبحت تتحرك نحو تعدد الشركاء وعدم الارتهان لقوة واحدة، وهو ما يمنح مصر فرصة مهمة لبناء نموذج مختلف يقوم على التنمية الحقيقية والشراكة المتوازنة، بعيداً عن سياسات الهيمنة التقليدية.
ومن هنا، فإن التحرك المصري داخل إفريقيا لم يعد مجرد خيار دبلوماسي، بل ضرورة استراتيجية تفرضها طبيعة التحولات الدولية الجديدة، خاصة في ظل إدراك العالم أن القارة السمراء ستكون أحد أهم مراكز التأثير الاقتصادي والسياسي خلال العقود المقبلة.
ولكن السؤال الأهم لم يعد: لماذا إفريقيا؟ بل أصبح: أين موقع مصر من كل ما يحدث داخل القارة؟
كانت مصر تاريخياً جزءاً أصيلاً من إفريقيا، ليس فقط بحكم الجغرافيا، بل بحكم الدور السياسي والثقافي والحضاري. ولعبت القاهرة دوراً محورياً في دعم حركات التحرر الوطني الإفريقية خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وتحولت إلى أحد أهم مراكز التأثير داخل القارة.
ولكن هذا الحضور تراجع تدريجياً لسنوات طويلة، خاصة بعد حادث محاولة اغتيال الرئيس حسني مبارك في أديس أبابا عام 1995، وهو ما أدى إلى فتور نسبي في الانخراط المصري داخل إفريقيا، بينما تمددت قوى إقليمية ودولية أخرى داخل القارة اقتصادياً وأمنياً وسياسياً، وخلال تلك الفترة، خسرت مصر جزءاً من عمقها الإفريقي، خاصة في ملفات شديدة الحساسية مثل: مياه النيل، النفوذ السياسي، التعاون الاقتصادي، الأسواق الإفريقية، الأمن الإقليمي.
لكن السنوات الأخيرة منذ تولى الرئيس السيسى حكم مصر، شهدت عودة تدريجية للوعي المصري بأهمية إفريقيا، بعدما أدركت القاهرة أن أمنها القومي لا يمكن فصله عن العمق الإفريقي، وأن مستقبل الاقتصاد المصري يرتبط بصورة مباشرة بقدرة الدولة على بناء شراكات حقيقية داخل القارة.
ولأن العلاقات الحديثة لا تبنى فقط عبر الخطابات السياسية، فإن مستقبل الشراكة المصرية الإفريقية يحتاج إلى مشروع متكامل يقوم على المصالح والتنمية والاندماج الاقتصادي.
فمصر تحتاج إلى التحول من مجرد شريك سياسي إلى شريك تنموي واستثماري حقيقي، عبر زيادة حجم التجارة البينية، وإنشاء مناطق صناعية مصرية داخل إفريقيا، وتأسيس شركات استثمار مشتركة تعمل في مجالات: الزراعة، الطاقة، التعدين، البنية التحتية، التكنولوجيا، التصنيع الغذائي.
كما أن أحد أهم آليات بناء النفوذ المصري داخل إفريقيا يتمثل في إنشاء صندوق استثمار مصري إفريقي مشترك، يهدف إلى تمويل المشروعات الكبرى وتقليل الاعتماد الإفريقي على القروض الأجنبية التي كثيراً ما تتحول إلى أدوات نفوذ سياسي واقتصادي. ولا يمكن الحديث عن تنمية حقيقية دون تطوير شبكات النقل واللوجستيات، ولذلك تحتاج مصر إلى بناء خطوط نقل بحرية وبرية مباشرة تربطها بشرق وغرب ووسط إفريقيا، إلى جانب دعم مشروعات السكك الحديدية والموانئ والمراكز اللوجستية، لأن السيطرة على حركة النقل تعني امتلاك مفاتيح التجارة والاستثمار.
أما الأمن الغذائي، فيمثل أحد أهم ملفات التعاون المستقبلي، خاصة مع امتلاك إفريقيا ملايين الأفدنة الصالحة للزراعة، بينما تمتلك مصر خبرات كبيرة في مجالات الري والزراعة والصناعات الغذائية، وهو ما يفتح الباب أمام شراكات استراتيجية تحقق الأمن الغذائي للقارة وللدولة المصرية معاً.
كما أن مستقبل العلاقات المصرية الإفريقية يجب أن يقوم على التصنيع المشترك بدلاً من الاكتفاء بتصدير المواد الخام، عبر إنشاء مجمعات صناعية ومراكز إنتاج داخل القارة في مجالات: الدواء، مواد البناء، الصناعات الكهربائية، الصناعات التعدينية، الصناعات الغذائية.
وفي الوقت نفسه، تبقى القوة الناعمة المصرية واحدة من أهم أدوات التأثير داخل إفريقيا، من خلال: الجامعات، الأزهر الشريف، الإعلام، الثقافة، المنح الدراسية، مراكز التدريب الفني والمهني. لأن النفوذ الثقافي والتعليمي غالباً ما يكون أكثر تأثيراً واستدامة من النفوذ السياسي التقليدي.
كما تستطيع مصر أن تلعب دوراً محورياً في ملف التحول الرقمي الإفريقي، خاصة في مجالات: التكنولوجيا المالية، الدفع الإلكتروني، الاتصالات، الأمن السيبراني، التعليم الرقمي.
إضافة إلى أهمية التعاون في ملفات المياه والطاقة والتغير المناخي، عبر مشروعات مشتركة لإدارة الموارد المائية والطاقة النظيفة والزراعة الحديثة، بما يساعد على تقليل التوترات وبناء مصالح متبادلة طويلة المدى.
أما على المستوى الأمني، فإن التحديات التي تواجه القارة مثل الإرهاب والجريمة المنظمة وتهريب السلاح تفرض ضرورة تعزيز التعاون الأمني والعسكري بين مصر والدول الإفريقية، خاصة في مناطق البحر الأحمر والقرن الإفريقي
والساحل والصحراء.
وفي إطار هذا التحرك، تبرز مجموعة من الدول الإفريقية باعتبارها فرصاً استراتيجية مهمة للتعاون المصري، فتمثل كينيا بوابة اقتصادية وتكنولوجية لشرق إفريقيا بما تملكه من موانئ وأسواق وخدمات مالية متطورة، بينما تمثل تشاد عمقاً أمنياً وزراعياً مهماً يمكن التعاون معها في مجالات النقل والزراعة والثروة الحيوانية، في حين تُعد الكونغو الديمقراطية أحد أهم مراكز الثروات التعدينية والمعادن النادرة اللازمة للصناعات الحديثة والطاقة المستقبلية.
أما تنزانيا فتشكل شريكاً مهماً في مجالات الموانئ والنقل البحري والثروة السمكية، بينما تمثل نيجيريا واحدة من أكبر الأسواق الاستهلاكية والاقتصادية بالقارة بما توفره من فرص في الطاقة والصناعة والتكنولوجيا.
كما تبرز جنوب إفريقيا باعتبارها القوة الصناعية والمالية الأكبر بالقارة، وهو ما يفتح مجالات واسعة للتعاون الصناعي والتجاري، في حين تملك مدغشقر فرصاً واعدة في مجالات الزراعة والثروة البحرية والنقل عبر المحيط الهندي، بينما يظل السودان الشريك الطبيعي والاستراتيجي لمصر في ملفات الأمن الغذائي والزراعة والطاقة والنقل والربط الإقليمي.
وفي النهاية: لم تعد إفريقيا بالنسبة لمصر مجرد امتداد جغرافي أو دائرة دبلوماسية تقليدية، بل أصبحت قضية أمن قومي ومستقبل اقتصادي واستراتيجي متكامل.
فالعالم يتغير بسرعة، ومراكز القوة التقليدية لم تعد وحدها صاحبة التأثير، بينما تتحول إفريقيا تدريجياً إلى ساحة رئيسية لإعادة تشكيل النظام العالمي الجديد.
ومن ينجح في بناء شراكة حقيقية مع إفريقيا اليوم قد يمتلك مفاتيح القوة والنفوذ والتنمية خلال العقود القادمة.
اقرأ أيضاًالأول من مايو.. عمال مصر في قلب الوطن وصناعة المستقبل









