ثيوسيديدس وفخ الحضارات.. حدوتة قبل النوم عند ترامب
بين رئيس يفكر بالحضارات ورئيس يفكر بالصفقات.. أين يذهب العالم؟
في إحدى اللحظات اللافتة خلال الحوار الأمريكي الصيني، حاول الرئيس الصيني شي جين بينغ أن ينقل النقاش من مستوى السياسة اليومية إلى مستوى التاريخ العميق، فاستدعى اسما يعود لأكثر من ألفي عام: «ثيوسيديدس».
وبالنسبة لكثير من المتابعين، ربما بدا الاسم غريبا أو بعيدًا، لكن الفكرة التي يحملها في غاية البساطة والخطورة في آن واحد.
ما هو فخ ثيوسيديدس؟
ثيوسيديدس مؤرخ إغريقي عاش قبل الميلاد بخمسة قرون، وكتب عن الحرب بين أثينا وإسبرطة، خلاصة تحليله أن الحرب لم تقع لأن أحداً أرادها، بل لأن صعود أثينا أخاف إسبرطة.. فانزلق الطرفان إلى الصدام.
اليوم حين يقول المحللون «فخ ثيوسيديدس» يقصدون: هل سيتكرر نفس السيناريو بين أمريكا القوة القديمة والصين القوة الصاعدة؟ هل يقودنا الخوف المتبادل إلى حرب لم يردها أحد؟
ببساطة: هو تحذير من أن الخوف وحده – لا النية – قد يشعل الحرب.
رسالة شي جين بينغ الضمنية
حين استخدم الرئيس الصيني هذا المفهوم، لم يكن يستعرض ثقافته التاريخية فقط، بل كان يبعث برسالة سياسية شديدة العمق: احذروا أن يقود الخوف الأمريكي من صعود الصين إلى تكرار أخطاء التاريخ، كان يقول ضمنيا: لسنا مضطرين لتكرار مأساة أثينا وإسبرطة.
الصين تتحدث بعقلية «الدولة الحضارية» التي تفكر بعقود وقرون، وتستخدم التاريخ أداةً لاستشراف المستقبل، كان شي يتحدث عن مصير النظام العالمي.. بينما الطرف الآخر كان يفكر في شيء آخر تماما.
«إن صعود أثينا، والخوف الذي زرعته في إسبرطة، هو ما جعل الحرب حتمية».
حين يفضح الجهل بالتاريخ صاحبه
لكن المدهش أن ردود ترامب جاءت – في نظر كثيرين – سطحية إلى حد صادم، فبدلا من التفاعل مع الفكرة أو مناقشة دلالاتها الخطيرة، بدا وكأنه أعاد الحديث إلى منطقته المفضلة: الصفقات، والأرقام، والانتصارات السريعة والتعليقات الارتجالية، كأن الرئيس الصيني كان يتحدث عن التاريخ.. بينما ترامب كان يتحدث عن نسب الأرباح.
وهذا ليس استنتاجا مجردًا، فالرجل الذي كان يتفاوض على مصير العالم سبق أن صرح علنا بأنه لا يقرأ الكتب وأن غريزته تكفيه.
وحين سئل ذات مرة عن أسباب الحرب الأهلية الأمريكية، أجاب بطريقة أوحت بأنه لا يعرف لماذا اندلعت أصلا، وساءل ببراءة: «لماذا لم يتفاوضوا؟»
كأن الاسترقاق كان ملفًا تجاريًا قابلا للتسوية على طاولة صفقات!
وفي موضع آخر، حين ذكر أمامه اسم فريدريك دوغلاس – المناضل الأمريكي الأسود الشهير الذي توفي عام 1895 تحدث عنه بصيغة المضارع كما لو كان حيًا يُرزق، قائلا: «إنه يقوم بعمل مذهل»، جملة واحدة كشفت أنه لم يكن يعرف من هو أصلا.
قالت ابنتي ببساطة شديدة وهي تتابع المشهد: يا بابا ده حوار بين سي جين.. واللمبي!
وضحكت.. ثم فكرت، وأدركت أن في هذه الجملة من الحكمة السياسية ما يفوق كثيرًا من التحليلات المطولة، فاللمبي لمن لا يعرفه هو شخصية درامية مصرية باتت رمزا للرجل الذي يتصرف بثقة عالية.. دون أن يدرك حجم ما لا يعرفه.
أزمة أعمق من الجهل
المشكلة ليست في أن السياسي لا يعرف كل الكتب والنظريات، فهذا طبيعي ومفهوم، لكن الأزمة الحقيقية أن يبدو غير مدرك لخطورة ما يقوله الطرف الآخر، فحين تتحدث قوة عظمى عن فخ ثيوسيديدس، فهي لا تلقي درسا تاريخيا مملا، بل تلوّح باحتمال انزلاق العالم إلى مواجهة كبرى بسبب سوء إدارة الخوف والتنافس.
نحن نعيش عصرا تدار فيه أعقد التحولات الجيوسياسية بعقلية إعلامية سريعة تبحث عن الجملة الرنانة أكثر من الفكرة العميقة، ترامب بطريقته الشعبوية المباشرة، كان ناجحا في مخاطبة جمهوره الداخلي، لكن العلاقات الدولية ليست مهرجانا انتخابيًا.
هناك لحظات يحتاج فيها العالم إلى قادة يفهمون التاريخ، لا إلى قادة يكتفون بإدارته كعرض تلفزيوني. والغريب أن التاريخ نفسه مليء بقادة ظنوا أن القوة وحدها تكفي، ثم اكتشفوا متأخرين أن المشكلة لم تكن في حجم القوة.. بل في عجزهم عن فهم اللحظة التاريخية التي يعيشونها.
خلاصة القول:
بدا المشهد كله وكأنه حوار بين عالمين مختلفين: رئيس صيني يتحدث بلغة الحضارات والخوف الاستراتيجي، ورئيس أمريكي يرد كما لو أن ثيوسيديدس مجرد اسم ثقيل يصلح لحدوتة قبل النوم.
وحين يقف العالم على مفترق طرق بين عملاقين، فإن الخطر الأكبر لا يكمن في التنافس نفسه.. بل في أن يجلس أحد طرفيه على طاولة التفاوض وهو لا يعرف ثيوسيديدس من غيره.
أو كما قالت ابنتي ببساطة شديدة.. حوار بين سي جين واللمبي.
اقرأ أيضاًترامب: أتطلع لاستقبال رئيس الصين في أمريكا قريبًا.. وسنضع كل الملفات على الطاولة
