تعيش الصحافة الإلكترونية في الآونة الأخيرة أزمة مهنية حادة وعميقة ومخيفة، تتجاوز حدود الأخطاء التحريرية المعتادة أو الهفوات العابرة، لتصل إلى حد الخطيئة الكبرى في حق المهنة والمجتمع على حد سواء.
لقد تحولت العديد من المواقع الإخبارية التي كان يُفترض بها أن تكون حارساً للبوابة الإعلامية، يفرز الغث من السمين، إلى مجرد مساحات خاوية تعيد تدوير نفايات محتوى منصات التواصل الاجتماعي، وتلهث خلف سراب المشاهدات، مهما بلغ حجم تفاهة هذا المحتوى أو انعدمت قيمته الإخبارية.
لم يعد مستغرباً اليوم أن تتصفح موقعاً إخبارياً يحمل ترخيصاً رسمياً لتجد وله اسم محترم أن أهم عناوينه تتحدث عن مقاطع مرئية لا تحمل أي رسالة، مثل التركيز المبالغ فيه على «فيديو بائع البيض»، أو نشر مقاطع قاسية دون معالجة صحفية استقصائية مثل «تسميم الكلاب»، وغيرها من الحوادث العابرة واليوميات السطحية.
يتم التعامل مع هذه المقاطع وكأنها قضايا قومية، في ممارسة لا تعكس سوى الانقياد الأعمى خلف ما يُعرف بـ Trendحيث تُذبح المعايير المهنية بدم بارد على مذبح النقرات السريعة وصيد الترويج غير المهني.
الخطر الأكبر والأكثر فداحة في هذا الانزلاق المهني لا يقتصر فقط على تهميش القضايا الحقيقية والمصيرية التي تهم المواطن، بل يتعداه إلى صناعة وتشكيل وعي مجتمعي مشوه. إن قيام مواقع إخبارية ذات وزن إعلامي بتبني منشورات عشوائية أو مقاطع غريبة، هو في حقيقته دعوة صريحة ومفتوحة لجميع أفراد المجتمع، مفادها: «اكتب أي هراء، أو صوّر أي مقطع غريب وشاذ، وسنجعل منك بطلاً ونجما». هذه الرسالة الضمنية الخطيرة تدفع الكثيرين نحو اختلاق أفعال مستفزة، أو افتعال أزمات وهمية، طمعاً في أن تلتقطها رادارات هذه المواقع، ليصبحوا بين ليلة وضحاها حديث الرأي العام.
إن الصحافة في جوهرها الأصيل هي صناعة للوعي، وتنوير للعقول، وليست أداة لتضخيم التفاهة وتسطيح الفكر. عندما يتحول الصحفي من باحث عن الحقيقة ومحلل للواقع المعقد إلى مجرد ناقل سلبي لما يفرزه العالم الافتراضي من نفايات، فإننا نكتب شهادة الوفاة للصحافة الجادة والتقارير الميدانية المعمقة لصالح “صحافة النسخ واللصق غير المهني إن نشر فيديوهات بلا سياق أو تحليل، يحول المنصات الإخبارية إلى مجرد لوحات إعلانية للعبث، ويفقد المتلقي ثقته في المؤسسات الإعلامية الرصينة، جاعلاً إياها في منزلة واحدة مع حسابات الهواة والباحثين عن الشهرة الرخيصة.
إلى جانب ذلك، فإن هذا الخلل يعكس غياباً مقلقاً لدور القيادات التحريرية في صالات التحرير، التي استسلمت لخوارزميات محركات البحث، وتخلت عن بوصلتها الأخلاقية والمهنية طمعاً في عوائد الإعلانات السريعة.
إن استمرار هذا النهج سيؤدي حتماً إلى تدمير الأخلاق العامة، وتحويل المشهد الإعلامي إلى ساحة تهريج لا مكان فيها للكلمة الجادة أو النقد البناء.
في النهاية، يجب على القائمين على صناعة الصحافة، نقابة لصحفيين، الهيئة الوطنية للإعلام، المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام أن يوجّهوا إلى أن اللهث وراء زيادة المتابعين لا يجب، ولا ينبغي أبداً أن يكون على حساب ميثاق الشرف الصحفي وأخلاقيات المهنة الثابتة.
إن استعادة هيبة الكلمة ومصداقية المهنة تبدأ من قرار حازم بالكف عن استجداء التفاعل عبر ترويج التفاهات، وعلى مسؤولي التحرير في هذه البوابات القيام بدورهم المهني والأخلاقي.
الصحافة الحقيقية هي التي تصنع الحدث بقيمته وأثره العميق، لا التي تتسول المشاهدات من على أرصفة العالم الافتراضي المزدحمة بالضجيج والتفاهة والنفايات.









