لم تكن رحلة الرئيس الأمريكي ترامب إلى الصين مجرد زيارة بروتوكولية عابرة، ولا لقاءً دبلوماسيًا تقليديًا مع الرئيس الصيني، بل بدت محاولة لإعادة ضبط إيقاع الصراع بين أكبر قوتين في العالم، بعد سنوات من التوتر التجاري، والحروب التكنولوجية، والاشتباك غير المباشر فوق خرائط الطاقة والممرات البحرية.
العالم اليوم لا يعيش حربًا باردة بالمعنى التقليدي القديم، بل يعيش مرحلة أكثر تعقيدًا، صراعًا اقتصاديًا وتكنولوجيًا واستخباراتيًا مفتوحًا، تُستخدم فيه الرسوم الجمركية كما تُستخدم حاملات الطائرات، وتتحول فيه الرقائق الإلكترونية والمعادن النادرة إلى أدوات ضغط لا تقل خطورة عن الصواريخ والأسلحة الاستراتيجية.
من هنا يمكن فهم خلفيات الرحلة.
ترامب لا يذهب إلى بكين بحثًا عن شراكة حقيقية مع الصين، بل لأن واشنطن بدأت تدرك أن سياسة الضغط وحدها لم تعد كافية، وأن الاقتصاد الأمريكي نفسه بات يدفع جزءًا من تكلفة المواجهة.
فالتضخم، واضطراب سلاسل الإمداد، وارتفاع أسعار المواد الصناعية، كلها عوامل دفعت الإدارة الأمريكية إلى البحث عن تهدئة تكتيكية مع بكين، ليس لإنهاء الصراع، بل لإدارته وتقليل خسائره.
أما الصين، فهي الأخرى ليست في وضع يسمح لها بمواجهة طويلة ومفتوحة.
فالاقتصاد الصيني يمر بمرحلة حساسة مع تباطؤ النمو، وأزمات القطاع العقاري، وتراجع الطلب العالمي، إلى جانب محاولات الغرب تقليل الاعتماد الصناعي عليها تدريجيًا.
لذلك تحتاج بكين إلى تخفيف الضغوط الأمريكية، ولو مؤقتًا، حتى تعيد ترتيب أوضاعها الداخلية وتحافظ على تدفق صادراتها وأسواقها الحيوي، لكن خلف الصور الدبلوماسية والابتسامات الرسمية، توجد ملفات شديدة الحساسية.
في مقدمتها ملف
تايوان، الذي تعتبره الصين قضية سيادة لا تقبل المساومة أو التأجيل. فبكين ترى أن استعادة تايوان جزء من مشروعها القومي الكبير، بينما تنظر واشنطن إلى الجزيرة باعتبارها خط الدفاع الأول عن النفوذ الأمريكي في آسيا والمحيط الهادئ.
هناك أيضًا معركة الذكاء الاصطناعي، وهي أخطر من الحرب التجارية نفسها.
فالولايات المتحدة تسعى إلى الحفاظ على تفوقها التكنولوجي ومنع الصين من الوصول إلى الرقائق الإلكترونية المتقدمة، بينما تعمل بكين على بناء استقلال تكنولوجي كامل. ولهذا انتقل الصراع من البحار والقواعد العسكرية إلى مراكز الأبحاث وشركات التكنولوجيا العملاقة.
أما الملف الأكثر تعقيدًا فهو شبكة التحالفات الدولية.
واشنطن تنظر بقلق إلى التقارب الصيني مع روسيا وإيران وكوريا الشمالية، وترى أن بكين تحاول بناء محور اقتصادي وسياسي قادر على تقويض الهيمنة الغربية. وفي المقابل، تعتبر الصين أن الولايات المتحدة تسعى إلى محاصرتها عسكريًا عبر تحالفات تمتد من بحر الصين الجنوبي حتى المحيط الهادئ.
اللافت أن رحلة ترامب جاءت في توقيت بالغ الحساسية، فالحرب في اوكرانيا لم تنتهِ بعد، والتوتر في الشرق الأوسط يتصاعد، وأزمة الطاقة العالمية ما زالت مفتوحة، بينما تخشى الأسواق الدولية من تباطؤ اقتصادي جديد.
لذلك فإن أي تفاهم أمريكي ـ صيني، حتى لو كان محدودًا ومؤقتًا، قد يمنح الاقتصاد العالمي قدرًا من الاستقرار الذي يحتاجه بشدة.
لكن السؤال الحقيقي ليس: هل تنجح القمة؟، بل: إلى متى يستطيع الطرفان تأجيل الصدام الكبير؟
فالخلاف بين واشنطن وبكين لم يعد خلافًا حول صفقة تجارية أو نسب الرسوم الجمركية، بل أصبح صراعًا على قيادة النظام الدولي نفسه. الولايات المتحدة تحاول منع تشكل نظام عالمي متعدد الأقطاب، بينما ترى الصين أن لحظة التحول التاريخي قد بدأت بالفعل، وأن عصر الهيمنة الأمريكية المنفردة يقترب تدريجيًا من نهايته.
لهذا تبدو قمة بكين أقرب إلى إدارة مؤقتة للأزمة، لا حلًا جذريًا لها.
إنها هدنة سياسية واقتصادية بين قوتين تستعدان لمواجهة طويلة تتجاوز حدود التجارة والأسواق، لتصل إلى إعادة رسم موازين القوة وشكل النظام العالمي في القرن الحادي والعشرين. (محمد سعد عبد اللطيف كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية)
اقرأ أيضاً«الهروب إلى الأمام».. هل يكون ضرب غزة طوق النجاة لنتنياهو سياسيًا قبل انتخابات أكتوبر؟
الثاني خلال أسبوع.. كيف رأى ترامب أحدث مقترحات إيران لإنهاء الحرب؟
مراسلة تنشغل بسرقة زجاجات خمر.. واقعة مثيرة للجدل خلال محاولة اغتيال ترامب (فيديو)









