بعد الرابع عشر من أغسطس 2014، كانت أجهزة الأمن المصرية تخوض واحدة من أعقد معاركها ضد التنظيمات الإرهابية، في ظل خطاب التكفير والتفجير والتحريض على القتل والتخريب، ومحاولات الاستقطاب عبر مواقع التواصل الاجتماعي. داخل تلك الأجواء، ظهر حساب يحمل اسم “أبو صهيب القرشي” على منصة “تويتر”، ( x ) لاحقا ينشر بيانات تنظيم “داعش”، ويعيد بث عملياته الإرهابية، ويتفاعل مع دعايته بصورة لافتة للانتباه. لم يكن الحساب مجرد مساحة إلكترونية عابرة، إذ كشفت التحريات أن وراءه شخصًا اعتنق أفكار التنظيم وسعى، برفقة نجله، إلى البحث عن طريق للوصول إلى مناطق نفوذ تنظيم “الدولة الإسلامية” الإرهابي.
صاحب الحساب كان يظن أن استخدامه لتقنيات التخفي الإلكترونية كافٍ لإبعاد الشبهات عنه، وكان يتوهم أن تحركاته على شبكة الإنترنت بعيدة عن أعين الملاحقة، غير أن المتابعة الفنية الدقيقة التي أجراها ضباط الإدارة العامة لتكنولوجيا المعلومات بوزارة الداخلية قادت إلى تحديد مصدر الحساب المرتبط بخط إنترنت منزلي في التجمع الخامس بالقاهرة.
تفاصيل الوقائع وردت في أوراق القضية رقم 3 لسنة 2020 جنايات أمن الدولة العليا طوارئ، التجمع الخامس، المقيدة برقم 216 لسنة 2020 كلي القاهرة الجديدة، والتي كشفت جانبًا من مخططات التنظيمات الإرهابية خلال تلك السنوات.
في محضر مؤرخ بتاريخ 10 أكتوبر 2016، أثبت ضابط البحث الجنائي بالإدارة العامة لتكنولوجيا المعلومات أن المتابعة اليومية لشبكة المعلومات الدولية رصدت حسابًا على موقع “تويتر” يحمل اسم “أبو صهيب القرشي”، ينشر عبارات مؤيدة وداعمة لتنظيم ما يسمى “الدولة الإسلامية”، إلى جانب إعادة نشر العمليات الإرهابية التي يتبناها التنظيم، فضلًا عن تدوينات تضمنت إشارات وتوقعات تتعلق بمخططات إرهابية في القاهرة.
التحريات الفنية توصلت إلى أن الحساب يصدر من جهاز حاسب آلي متصل بخدمة إنترنت منزلية مرتبطة بخط هاتف مسجل باسم المتهم الأول (ع. ص)، والمقيم بدائرة قسم شرطة التجمع الخامس. عقب تقنين الإجراءات، أصدرت النيابة العامة إذنًا بضبط وتفتيش المتهم ومسكنه وفحص الأجهزة الإلكترونية المتصلة بخط الإنترنت.
في الساعة الخامسة من صباح الحادي عشر من أكتوبر 2016، توقفت قوة أمنية أمام شقة سكنية بمنطقة التجمع الخامس بالقاهرة لتنفيذ إذن صادر من النيابة العامة بضبط وتفتيش صاحب الحساب. عملية التفتيش أسفرت عن ضبط أربعة هواتف محمولة، وعدد من طلقات الخرطوش، وأسلحة بيضاء متنوعة، وعلبة تحتوي على كمية من البارود الأسود مخلوطة بأجزاء معدنية صغيرة.
فحص الهواتف المحمولة كشف عن وجود صور ومقاطع فيديو ومواد دعائية خاصة بتنظيم “داعش”، كما تبين أن بعض الأجهزة تفتح تلقائيًا على حساب “أبو صهيب القرشي” محل التحريات. كذلك عثرت القوة على صور تُظهر المتهم حاملًا سلاح خرطوش.
وبمواجهة المتهم بالمضبوطات، أقر باستخدامه الحساب الإلكتروني المشار إليه، واعترف باعتناقه أفكار تنظيم “الدولة الإسلامية”، وأنه كان يستخدم حسابه في نشر المواد المؤيدة والداعمة للتنظيم. وخلال التحقيقات، حاول تبرير حيازته للذخائر والبارود بأنها بغرض الدفاع عن النفس، كما ذكر أنه يستخدم الأسلحة البيضاء للتدريب على التصويب.
التحقيقات كشفت أيضًا أن المتهم لم يكن يتحرك بمفرده، إذ تبين وجود دور لنجله “ل. ع”، الذي كان يقيم معه في المسكن نفسه، حيث أقر الأب بأن أحد الهواتف المضبوطة يخص نجله، وأن الأخير كان يدخل على الحساب ذاته ويشارك في نشر المحتوى المؤيد للتنظيم عبر موقع “تويتر”.
المتهم اعترف كذلك بأنه سبق له السفر برفقة نجله إلى السودان ولبنان خلال عام 2015، في محاولة للوصول عبرهما إلى دولة أخرى تمهيدًا للانضمام إلى تنظيم “داعش”، إلا أن المحاولة لم تكتمل.
وأثبتت تحريات قطاع الأمن الوطني أن المتهم ونجله كانا يسعيان إلى استقطاب عناصر جديدة تتبنى الفكر نفسه، إلى جانب التواصل مع عناصر مرتبطة بالتنظيم خارج البلاد.كما أقر المتهمان بحيازتهما للمضبوطات داخل المسكن.
النيابة العامة وجهت إلى المتهمين اتهامات بإحراز مادة تُعد في حكم المفرقعات دون ترخيص، وإحراز سلاح ناري غير مششخن “بندقية خرطوش”، وذخائر تُستخدم على السلاح محل الاتهام دون ترخيص، فضلًا عن حيازة أسلحة بيضاء بدون مسوغ قانوني.
وبجلسة الإثنين 14 سبتمبر 2020، أصدرت محكمة أمن الدولة العليا طوارئ “الدائرة العاشرة جنوب”، حكمها حضوريًا بمعاقبة المتهمين بالسجن لمدة ثلاث سنوات، مع مصادرة المضبوطات محل القضية، وإلزام المتهم الأول بالمصاريف الجنائية، في حين لم تُلزم المحكمة المتهم الثاني بها نظرًا لكونه طفلًا “أقل من 18 عامًا” وقت ارتكاب الوقائع.
وقالت المحكمة في حيثيات حكمها إن الجرائم المسندة إلى المتهمين ارتبطت ببعضها ارتباطًا لا يقبل التجزئة، ووقعت لغرض إجرامي واحد، الأمر الذي يوجب اعتبارها جريمة واحدة والحكم بالعقوبة المقررة للجريمة الأشد.كما أشارت المحكمة إلى أنها أخذت المتهمين بقسط من الرأفة وفق المادة 17 من قانون العقوبات، وأنزلت العقوبة إلى الحد الأدنى المقرر قانونًا.
القضية تعكس جانبًا من التحولات التي شهدتها دوائر التطرف والإرهاب خلال تلك السنوات، حين أصبحت شبكات التواصل الاجتماعي وسيلة رئيسية لنشر فكر التكفير والتفجير، ومحاولة بناء دوائر اتصال بين المؤيدين التابعين في الداخل من جانب والعناصر المرتبطة بالتنظيمات المسلحة في الخارج من جانب آخر. كثير من تلك الحسابات بدأ في صورة صفحات تنشر بيانات أو مقاطع مصورة، وتتبنى خطابًا تحريضيًا ضد مؤسسات الدولة المصرية تحت غطاء التعبير عن الرأي ونقد السياسة العامة، ثم تحولت تدريجيًا إلى وسيلة للتواصل وتبادل التكليفات والأفكار ومحاولات السفر والالتحاق بالتنظيمات الإرهابية المسلحة.
كما تكشف الواقعة كيف امتد تأثير الخطاب التحريضي والتنظيمي إلى بعض الأسر، بعدما تحولت القناعة الفكرية لدى الأب إلى مسار شاركه فيه الابن، وصولًا إلى محاولة السفر والبحث عن طريق للانضمام إلى تنظيم “داعش”. تلك الوقائع بقيت حاضرة في ملفات التحقيقات والقضايا التي نظرتها المحاكم خلال تلك السنوات، باعتبارها نموذجًا لكيفية استغلال التنظيمات المتطرفة للخطاب التحريضي في تجنيد عناصر جديدة ودفعها نحو مسارات العنف.
رحلة “أبو صهيب القرشي” ونجله انتهت داخل أسوار السجون، غير أن تفاصيل القضية بقيت شاهدة على مرحلة استخدمت فيها التنظيمات الإرهابية الفضاء الإلكتروني كمنصة للتأثير والتجنيد، وحاولت استغلال الشعارات الدينية والخطاب التحريضي في استقطاب عناصر جديدة للانضمام إلى تنظيمات التفكير والتفجير.
