لم تعد المؤامرات في عالم السياسة الحديثة تُدار فقط عبر الجيوش والأسلحة التقليدية، بل أصبحت تُدار عبر خرائط الطاقة، والممرات البحرية، وحروب الاقتصاد، والتفكيك الداخلي للدول، وصناعة الفوضى الإعلامية والنفسية. ومن يتأمل ما يجري حول مصر خلال السنوات الأخيرة، يدرك أن القاهرة تواجه واحدة من أخطر مراحل الاستهداف الجيوسياسي في تاريخها الحديث، لأن مصر ببساطة ليست دولة عادية في المنطقة، بل تمثل قلب التوازن العربي، ومفتاح الجغرافيا السياسية بين آسيا وإفريقيا وأوروبا.
المشهد لم يعد منفصلًا أو عشوائيًا. ما يحدث في إثيوبيا، والسودان، والقرن الإفريقي، والبحر الأحمر، وغزة، ليس مجرد أحداث متفرقة، بل حلقات داخل مشروع إقليمي ودولي أكبر لإعادة تشكيل المنطقة بالكامل، بما يضمن تقليص الدور المصري وإضعاف مركزها الاستراتيجي والتاريخي.
أولى حلقات هذا المشروع ظهرت بوضوح في ملف مياه النيل. فالسد الإثيوبي لم يكن يومًا مجرد مشروع تنموي لتوليد الكهرباء كما حاول البعض تصويره، بل تحول إلى ورقة ضغط جيوسياسية تستهدف الأمن القومي المصري بشكل مباشر. فالمياه بالنسبة لمصر ليست رفاهية، بل قضية وجود.ومن هنا ظهرت محاولات تدويل الأزمة وإطالة أمد المفاوضات، في وقت كانت فيه قوى إقليمية ودولية تعمل على تثبيت واقع جديد في حوض النيل، يهدف إلى نقل مركز القوة المائية بعيدًا عن القاهرة.
لكن الأخطر من أزمة المياه نفسها هو ما جرى ويجري في السودان. فالسودان يمثل العمق الاستراتيجي الطبيعي لمصر، وأي تفكك داخلي فيه يفتح أبواب الخطر على الحدود الجنوبية المصرية. ما يحدث هناك لم يعد مجرد صراع داخلي بين أطراف متنازعة، بل تحول إلى عملية استنزاف شاملة لدولة كانت تمثل أحد أعمدة التوازن في وادي النيل. تفكيك السودان يخدم بشكل مباشر أي مشروع يريد محاصرة مصر جغرافيًا واستراتيجيًا، وخلق بيئة فوضى ممتدة من القرن الإفريقي حتى الحدود الليبية.
وفي القرن الإفريقي تتكشف صورة أكثر خطورة. فالصراع هناك لم يعد فقط على النفوذ، بل على التحكم في الممرات البحرية العالمية. منطقة “أرض الصومال” التي تسعى للانفصال أصبحت فجأة محورًا لتحركات إقليمية ودولية مكثفة، بسبب موقعها المطل على مدخل باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم. السيطرة على هذه المنطقة تعني امتلاك القدرة على التأثير في حركة التجارة والطاقة القادمة نحو قناة السويس.
هنا يظهر البعد الأخطر في المشهد، فهناك من يعمل على صناعة بدائل استراتيجية تقلل من أهمية قناة السويس، سواء عبر ممرات بحرية جديدة، أو عبر مشاريع نقل وطاقة تربط الهند بالشرق الأوسط ثم إلى حيفا، ضمن ما يُعرف بالممر الاقتصادي الجديد.ومع تصاعد الحديث عن خطوط نقل تمتد من الخليج إلى الموانئ الإسرائيلية، ومحاولات تحويل ميناء حيفا إلى مركز إقليمي بديل، يصبح واضحًا أن المعركة لم تعد عسكرية فقط، بل اقتصادية وجيوسياسية تستهدف أحد أهم مصادر القوة المصرية.
وفي قلب هذه الرؤية يظهر الحديث المتكرر عن مشروع “قناة بن جوريون”، الذي يُطرح من وقت لآخر كفكرة استراتيجية تربط خليج العقبة بالبحر المتوسط عبر النقب وغزة، بما يخلق ممرًا موازيًا لقناة السويس. ورغم أن المشروع يواجه تحديات هائلة سياسية وأمنية وجغرافية، فإن مجرد طرحه يكشف حجم التفكير الاستراتيجي الذي يدور في المنطقة حول تقليص الدور المصري التاريخي في التجارة العالمية.
الأمر لا يتوقف عند الجغرافيا فقط، بل يمتد إلى حروب الوعي والإعلام. فمنذ سنوات نشهد تصاعدًا واضحًا لعمل الكتائب الإلكترونية التي تستهدف ضرب أي تقارب عربي مع مصر، عبر حملات تشويه ممنهجة، وإثارة الشكوك، وبث الشائعات، ومحاولة خلق حالة عداء نفسي بين الشعوب العربية والقاهرة. هذه الحملات لا تعمل بعشوائية، بل تتحرك وفق أهداف واضحة، أهمها عزل مصر عن محيطها العربي، وتشويه دورها الإقليمي، وضرب الثقة في مؤسساتها الوطنية.
الخطير أن هذه الحرب تعتمد على إنهاك المجتمعات من الداخل، وتحويل وسائل التواصل إلى ساحات فوضى نفسية وسياسية، بحيث تصبح الأكاذيب أكثر انتشارًا من الحقائق، وتتحول الشائعات إلى أدوات ضغط على الرأي العام. ولهذا أصبحت معركة الوعي أخطر من معارك السلاح، لأن إسقاط الدول يبدأ غالبًا بإسقاط ثقة الشعوب في أوطانها.
لكن رغم كل هذه الضغوط، تبقى الحقيقة الأهم أن مصر عبر تاريخها الطويل واجهت مؤامرات أكبر وأعنف، واستطاعت أن تتجاوزها لأنها دولة تمتلك عمقًا حضاريًا وجغرافيًا وبشريًا لا يمكن تجاوزه بسهولة. فالقاهرة تدرك جيدًا أن أمنها القومي لم يعد يبدأ من حدودها فقط، بل من البحر الأحمر، والقرن الإفريقي، والسودان، وغزة، وشرق المتوسط.
ولهذا فإن المرحلة الحالية ليست مجرد صراع سياسي عابر، بل معركة إعادة تشكيل للمنطقة كلها. من يسيطر على المياه والموانئ والممرات البحرية والطاقة والإعلام، يملك النفوذ الحقيقي في القرن الحادي والعشرين. ومصر تدرك أنها مستهدفة لأنها ما زالت تمثل العقبة الكبرى أمام أي مشروع يسعى لتغيير هوية المنطقة أو احتكار قرارها الاستراتيجي.
ويبقى السؤال الأخطر:
هل ما نشهده اليوم مجرد أزمات متفرقة؟
أم أننا أمام مشروع طويل لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط وإفريقيا على حساب الدول المركزية الكبرى وفي مقدمتها مصر؟
محمد سعد عبد اللطيف
كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية!!









