في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تبدو واشنطن وكأنها تحاول إعادة رسم خريطة التحالفات الدولية من بوابة الأزمة الإيرانية، مستفيدة من حالة الإنهاك التي أصابت المنطقة بعد شهور طويلة من التصعيد العسكري والسياسي. لكن الرهان الأمريكي على أن الصين قد تتحول إلى مفتاح لإنهاء الصراع أو الضغط الحاسم على طهران، يبدو حتى الآن أقرب إلى أمنية سياسية منه إلى مشروع قابل للتحقق.
زيارة ترامب إلى بكين، وما سبقها من اتصالات مع موسكو، حملت رسائل تتجاوز مجرد الملفات الاقتصادية والتجارية. فالإدارة الأمريكية تدرك أن أي تسوية كبرى في الشرق الأوسط لن تمر دون تفاهمات مع القوى الدولية الكبرى، خصوصًا الصين التي أصبحت شريانًا اقتصاديًا رئيسيًا لإيران، وروسيا التي ترى في بقاء طهران ضمن محور نفوذها ورقة استراتيجية في مواجهة الغرب.
لكن الأزمة الحقيقية أن بكين لا تنظر إلى إيران فقط باعتبارها مصدرًا للطاقة، بل باعتبارها عقدة جيوسياسية أساسية داخل مشروعها العالمي الممتد من آسيا إلى الشرق الأوسط. لذلك فإن فكرة التضحية بطهران مقابل تفاهمات مؤقتة مع واشنطن، تبدو مخاطرة لا ترغب الصين في دفع ثمنها بسهولة.
في المقابل، تحاول الولايات المتحدة اللعب على مخاوف الجميع. فهي تدرك أن استمرار الحرب يرهق الاقتصاد العالمي، ويهدد أمن الطاقة، ويخلق حالة اضطراب قد تمتد من الخليج إلى أوروبا. كما تعلم أن الصين نفسها تخشى أي انفجار واسع قد يهدد طرق التجارة وممرات النفط، خصوصًا عبر مضيق هرمز الذي تحول إلى نقطة اشتباك دولية تتجاوز حدود الصراع الإيراني الأمريكي التقليدي.
ورغم ذلك، فإن حسابات بكين أكثر براغماتية وهدوءًا من الاندفاع الأمريكي. الصين لا تريد انتصارًا كاملًا لإيران يربك التوازنات الدولية، لكنها أيضًا لا تريد سقوط النظام الإيراني بما يفتح الباب أمام نفوذ أمريكي مباشر على حدود مصالحها الحيوية في المنطقة.
الأمر نفسه ينطبق على روسيا، التي تنظر إلى أي انهيار إيراني باعتباره خسارة استراتيجية مجانية لواشنطن. ولهذا تبدو موسكو وبكين حذرتين من الانخراط في أي صفقة كبرى لا تضمن مصالحهما بعيدة المدى، حتى لو قدمت الولايات المتحدة إغراءات اقتصادية أو سياسية.
المشهد الحالي يكشف أن العالم لم يعد يُدار بعقلية التحالفات الثابتة، بل بمنطق المصالح المتحركة. فالصين تتعامل مع الأزمة الإيرانية باعتبارها ملف توازن دولي، بينما تنظر إليها واشنطن كفرصة لإعادة فرض الهيمنة على الشرق الأوسط بعد سنوات من التراجع والارتباك.
لكن أخطر ما في المرحلة المقبلة، أن تعثر المسارات الدبلوماسية قد يدفع الإدارة الأمريكية إلى خيار التصعيد المحدود، ليس بهدف الحسم العسكري الكامل، بل لإعادة ترتيب قواعد التفاوض وفرض وقائع جديدة على الأرض. وهنا تكمن خطورة المنطقة، لأن أي خطأ في الحسابات قد يحول المواجهة من حرب احتواء إلى صدام إقليمي مفتوح.
وفي النهاية، تبدو الحقيقة الأوضح أن الصين لن تكون بوابة إنهاء الحرب على إيران، لأنها ببساطة لا ترى مصلحتها في انتصار أمريكي كامل، كما لا ترى مصلحتها في انفجار شامل يهدد الاقتصاد العالمي. ولهذا ستواصل بكين لعب دور الموازن بين الخصوم، لا دور الشريك في إسقاط أحدهم.، ، !!
محمد سعد عبد اللطيف
كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية، !!









